عبدالله عبدالسلام
لا تتوقف الدعوات من أجل عودة العقول المصرية المهاجرة.. خاصة الباحثين والعلماء وأصحاب الخبرات النادرة. الدعوات تمتد أيضاً إلى الأطباء؛ الذين تشير الإحصاءات إلى أن 60% منهم.. يغادرون بعد تخرجهم. بعض الدعوات تكون مصحوبة بـ«التهديد»؛ مثل اقتراح إلزام الطبيب الراغب في الهجرة.. بدفع تكلفة دراسته الجامعية، كشرط للموافقة على سفره. لكن لا المغادرة تتوقف، ولا العودة تحدث.
الدراسات الميدانية والبحثية.. التي تُفسر لماذا لا يعود المغترب، نادرة. حصر القضية في أن هؤلاء الأشخاص جاحدون، وكل همهم تحسين مستوى معيشتهم.. دون رد الجميل، لن يحل المشكلة. بل يجعلها شخصية، وهي أبعد ما تكون عن ذلك. المسألة لا تتعلق فقط بمستوى المعيشة، أو نمط الحياة في الغرب، لكنها مرتبطة بأمر يفتقده المهاجر في بلده الأم، وعثر عليه في الدولة التي هاجر إليها، ولا يريد التفريط فيه.. إنه ثقافة العمل.
عندنا، تلعب العلاقات الشخصية والروابط العائلية.. دوراً رئيسياً؛ بداية من الحصول على وظيفة، وليس نهاية.. بالمرتب والترقي. معايير الكفاءة والخبرة والإنجاز الفردي، لا يتم الالتفات إليها كثيراً؛ خاصة في الوظائف الحكومية وشبه الحكومية. هذه المعايير هي الحاكمة في الغرب.
عندنا، لا يوجد وضوح بشأن دور الموظف، وهو ما يطلق عليه.. «مواصفات الوظيفة»؛ بالنسبة لنا، أي موظف يمكن أن يقوم بعمل زميله. ليس هناك تمييز، أو فرز للشخص الأفضل. الكل سواسية. لا عجب أن الموظف يمكنه القيام بكل شيء، لكن إنجازه – في النهاية – يكاد يكون لا شيء.
المغترب المصري.. يجد أن الوقت هناك مقدس. التأخير – ولو دقائق معدودة – يعني عدم الاحترام، ويُعرض صاحبه للعقاب. عندنا، الاجتماعات تبدأ متأخرة ساعات.. عن الموعد الأصلي. بل يتم إلغاؤها أحياناً دون سابق إبلاغ.
بيئة العمل، تفتقد للنقاش الحر الموضوعي أيضاً.
المدير جمع الحكمة والذكاء، والرؤية الثاقبة.. من أطرافها. فقط لأنه مدير. قراره مركزي؛ لا نقض له ولا إبرام. أحد رؤسائي السابقين.. كان يعلق لافتة مكتوباً عليها: «قد تكون على حق لكنني الرئيس».
ثقافة العمل تمتد إلى أمور.. تبدو لنا بسيطة، لكنها تعكس خللاً كبيراً؛ تكون في إجازة عدة أيام.. فيتصل بك رئيسك في وقت متأخر من الليل، يطلب منك العودة لأمر طارئ. أو يطلب منك – في أحيان أخرى – البقاء ساعات إضافية. في الغرب، الإجازة مقدسة.. ولا يجب العبث بها، لمجرد أن المدير يرغب في ذلك.
الحماية القانونية.. أمر شديد الأهمية، الأطباء عندنا يعانون منها. ما بين 70-88% منهم.. يتعرضون لعنف لفظي أو جسدي. في الغرب، المهمة الأولى للشركة أو المصلحة.. توفير الأمان والحماية لموظفيها. عندما كنت أعمل مراسلاً لـ«الأهرام» في لندن منتصف التسعينيات، كانت شركة المترو تعلق لافتة في العربات، تقول: «هذه الشركة مستعدة للذهاب لأقصى مدى قانوني.. لحماية موظفيها».
للأسف يعيش البعض عندنا.. في ظل شعارات ليست واقعية؛ مثل «متقولش إيه ادتنا مصر. قول هندِّي إيه لمصر».
المغترب يريد بيئة عمل آمنة في وطنه، تحترم كفاءته وخبراته، وتستمع إلى آرائه، ولا تميز بينه وبين الآخرين، حتى يفكر جدياً في العودة لبلده.
نقلاً عن «المصري اليوم»