Times of Egypt

لقاء «منير».. هام ومهم

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

«منير فخري عبد النور» لم يكن مجرد وزير عابر، فهو – قبل وبعد المناصب التنفيذية التي تولاها – سياسي.. معني دائماً بشؤون بلاده، من منطلق وطني عابر للانتماءات الحزبية، على الرغم من انتمائه لحزب الوفد. وهو سليل عائلة ذات جذور سياسية وطنية.. تعود إلى زمن «ثورة 1919». ولمنير عادة حميدة في شهر رمضان من كل عام، إذ يدعو جمعاً من المعنيين بالشأن العام – من مختلف الخبرات، بكافة توجهاتهم السياسية – إلى إفطار رمضاني، بإحدى القاعات الفسيحة في أحد فنادق القاهرة. ويعقب وجبة الإفطار.. وجبة فكرية هامة ومهمة، مع متحدث رئيسي، ونقاش يديره بحضوره النجومي «عمرو موسى» (مع حفظ الألقاب وما أكثرها).

في إفطار شهر رمضان الأخير، كان المتحدث الرئيسي على مائدة إفطار «منير» – المنيرة بألق خبرات ضيوفها من الاقتصاديين وأصحاب الأعمال المتميزين – هو وزير الاستثمار السابق، في عهد الرئيس مبارك، الدكتور محمود محيي الدين – صاحب التجربة الطويلة مع المؤسسات والهيئات الدولية – وهو سليل عائلة «محيي الدين».. التي لم تتوقف عبر الأجيال، عن إثراء الحياة السياسية والنيابية والأكاديمية، بأبنائها المتميزين، بمختلف توجهاتهم السياسية. ومن هذا اللقاء الثري نورد بعض من الملاحظات.

استهل «محيي الدين» حديثه، بقول شهير لابن خلدون، عن أن «اشتغال السلطان (الدولة) بالتجارة، ضار بالرعية». ثم عرج بالحديث إلى الوضع الاقتصادي العالمي الراهن، وخلص إلى أن هذا الوضع المأزوم.. يشير إلى انتهاء مرحلة اقتصاد ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي وضع قواعده المنتصر في الحرب، فالمنتصر لا يكتب التاريخ فقط، بل يحدد شكل الاقتصاد أيضاً (على حد قوله). ولأننا بإزاء تطورات وتكتلات سياسية واقتصادية عالمية جديدة، فإن النهج الاقتصادي السائد الآن ـ الذي يجب أن نتبعه نحن أيضاً – هو الروح البراجماتية «العملية»، بعيداً عن التصنيفات التقليدية (يمين.. يسار.. ليبرالي.. اشتراكي).

في معرض حديثه عن ضبط سعر الصرف – الذي لن يتحقق إلا عن طريق زيادة الصادرات – أشار «محيي الدين» إلى قول قديم مأثور عن الدكتور «يوسف بطرس غالي»، وهو: «إما أن نُصدِّر أو أن نموت.. ويبدو أننا قد اخترنا الأمر الثاني».

الأدراج المغلقة

وعن خطط وطرق مواجهة أزمات مصر الاقتصادية المزمنة، قال «محيي الدين»: «الخطط والحلول معروفة وموجودة في الأدراج.. منذ أعوام بعيدة، وليس مطلوباً إلا التنفيذ». وأوضح أن هذا هو ما فعلته وزارة «أحمد نظيف» – التي كان المتحدث عضواً بها – أي أن الوزارة كانت تنفذ ما كان موجوداً بالأدراج قبلها. ثم أوضح كيف ترتب على هذا تحسن ترتيب «مصر» الاقتصادي.. على أحد مؤشرات القياس العالمية، وتقدمنا بمقدار سبعين درجة من بين مائة وخمس وستين دولة، بعد أن كنا في ذيل القائمة. (تقريباً، إذا لم تخني الذاكرة).

إذا لم نهمل ما جاء بين السطور – في حديث «محيي الدين» – فإننا أمام رؤية كاشفة، ومبينة عن وجه القصور في مواجهة أزمتنا الاقتصادية المزمنة. هذا إذا أردنا الخروج من أطول عنق زجاجة في أفريقيا.

كان عرض الدكتور «محيي الدين» – المفعم بالأرقام والأمثلة – مهماً، ولكن يصعب إيجازه في سطور قليلة، وإن كنا نستطيع استخلاص عدة نتائج منه، وأولها وأهمها هو أن «الحلول موجودة، ولا ينقص إلا التنفيذ». وعندما انتهى العرض، التقط أحد الحاضرين من ذوي الخبرة السياسية – وما أقلهم بين الحضور – التقط الخيط من المتحدث.. وتساءل: إذا كانت الحلول متاحة فما الذي يمنع التنفيذ؟. لم يجب أحد، وأجاب الصمت البليغ.

* في إطار تنويع مصادر الدخل القومي، تطرق بعض الحضور إلى السياحة، كأحد أهم تلك المصادر. وهنا عندما ذُكرت كلمة «سياحة»، انصرف ذهني عما يدور بالقاعة، ورحت أتذكر ما جرى قبل عدة أيام. ففي يوم السبت الموافق 21 من فبراير الماضي، نشر موقع جريدة «اليوم السابع» خبراً يفيد بأن «محافظة أسوان قد قررت – بالتعاون مع الجهات المشاركة – إلغاء احتفالات ظاهرة تعامد الشمس على وجه رمسيس.. في معبده الكبير بمدينة أبو سمبل، والاقتصار على مشاهدة الظاهرة بالنسبة للزائرين والحضور، وذلك لتزامن الحدث مع شهر رمضان المبارك». وتعجبت؛ حيث إن ظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني.. يصاحبها عادة نشاطات فنية، واحتفالات مثيرة لانتباه وفضول السياح. كيف نمر على هذا القرار مرور الكرام، في بلد هو «في عرض دولار»؟ إن المسؤول الواعي الفطن.. يدرك أبعاد مثل هكذا قرارات، وآثارها غير المباشرة على «سمعة السياحة في مصر»؛ فهي تضفي عليها نكهة طاردة. 

وبعيداً عن السياحة، فالقرار هو إشارة أخرى واضحة، تبين عن خسارة أرض جديدة من مساحة الحياة المدنية، لصالح تيار الإسلام الشعبوي المتسلط، هذا الذي لا يتوقف عن استعراض عضلاته يوماً بعد يوم انتظاراً ليوم موعود.

نميمة جانبية

ونحن ننصرف، لمح صديقي اثنين من أعضاء حزب الوفد، من العائلة الأباظية العريقة، فقال في حسرة معلقاً على نتيجة انتخابات رئاسة حزب الوفد الأخيرة، قائلاً: «لقد كانت بمثابة رصاصة الرحمة لمريض طال رقاده.. انتهى الحزب العريق». حقاً إنه لشيء محزن أن ينتحر المريض، بدلاً من أن يختار التعلق بآمال التعافي عبر التجديد، مهما كانت واهية. ولكن.. يظل السؤال المهم: من أمرضه أصلاً؟ من منع عنه هواء الحرية والمنافسة العادلة مع أحزاب السلطة وتكتلاتها بمختلف مسمياتها، وجعله يختنق رويداً رويداً؟ من أجج نيران الفتنة داخله؟

كان حقاً إفطاراً هاماً ومهماً، «هاماً» من «الهموم» المطروحة، و«مهمًّا» من «أهمية» ما دار ولم يدر فيه من نقاش.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة