د. نيفين مسعد
لا يحتاج المتابع للرسائل – التي تنقلها وسائل التواصل الاجتماعي – إلى قوة ملاحظة، ليكتشف مدى تدفُّق خطاب الكراهية بين الأشخاص المختلفين، وذلك بغضّ النظر عن معايير هذا الاختلاف وأبعاده. وظاهرة انتشار خطاب الكراهية.. ليست ظاهرة مصرية، ولا هي حتى ظاهرة عربية، لكنها أوسع من ذلك بكثير، حيث صارت الصفحات الشخصية والمنصات الإلكترونية.. منابر للتنمُّر والازدراء، وربما حتى التهديد. ومع أنه لا يوجد تعريف دقيق في القانون الدولي.. لمفهوم خطاب الكراهية، إلا أن استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها.. تُعرِّفه بأنه أي نوع من التواصل، الذي يهاجم أو يزدري أو يميِّز.. ضد شخص أو مجموعة أشخاص، على أساس الدين أو العِرق أو اللون أو النسب أو النوع، أو أي عوامل أخرى تتصل بالهوية.
وكما هو واضح، فإن التعريف لا يغطي، ولا يمكن له أن يغطي، كل أوجه الاختلاف بين البشر، التي قد تكون موجبة للتحريض والكراهية. ويكفي أن نشير إلى مروحة واسعة جداً من الاختلاف بين البشر.. في الرأي والمظهر، وتفضيلات الرياضة والفن والأدب، وحتى فصول السنة. ثم إن الخط الفاصل بين الحضِّ على الكراهية، وحرية التعبير.. هو خط مراوغ؛ وذلك أن خطة الرباط التي أطلقها مكتب الأمم المتحدة في عام 2012، وضعَت ضمن العناصر المطلوبة للحكم على خطاب معيِّن.. بكونه محرّضاً على الكراهية، أن تتوفَّر فيه نيّة التحريض، والتحقُّق من النوايا هو أمر شديد الصعوبة كما نعلم.
لكن يمكن اعتبار أن نقطة الارتكاز في التعريف الأممي.. هي أن خطاب الكراهية ينبع من رفض مبدأ الاختلاف، وهو رفض يؤدي لحرمان الإنسان من عدد من أهم حقوقه الأساسية؛ كالحق في المساواة وعدم التمييز والكرامة والخصوصية والأمان الشخصي. كما قد يجد الإنسان نفسه محروماً من حقه في التعبير عن رأيه.. خوفاً من أن يكون ذلك مدعاةً للتحريض ضده. أكثر من هذا، يمكن لخطاب الكراهية أن يؤدي لحرمان الإنسان من الحق في الحياة نفسها؛ كما يحدث في حالات التحريض على الثأر، وعلى ارتكاب جرائم العنصرية أو جرائم الشرف. والخلاصة، أن خطاب الكراهية من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل عدد كبير من الحقوق.. التي تنتمي لفئات مختلفة؛ منها السياسي والمدني، ومنها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وفي ما يخص مصر – التي تعنينا في المقام الأول – فإن دستور عام 2014، اتخذ موقفاً شديد الوضوح.. من حيث اعتباره أن التمييز والحضّ على الكراهية جريمة موجبة للعقاب. ونصَّت المادة 53 من الدستور – ولأول مرة – على أن يتولَّى القانون إنشاء مفوضيّة مستقلة.. للقضاء على كافة أشكال التمييز. وتحت قُبَّة مجلس النواب، طُرحت مشروعات كثيرة.. لوضع مفوضيَّة عدم التمييز موضع التنفيذ؛ سواء ككيان مستقل، أو في إطار المجلس القومي لحقوق الإنسان.
كذلك أوصت جلسة عدم التمييز – في إطار مؤتمر الحوار الوطني – بالمُضي قُدماً في اتجاه تنفيذ الاستحقاق الدستوري الخاص بالمفوضيّة. وطالب السيد الرئيس عبد الفتّاح السيسي بالاستجابة لتوصية الحوار الوطني في هذا الخصوص، ولعل موضوع المفوضيَّة يكون مدرجاً على الأجندة التشريعية لمجلس النواب الجديد.
ولو انتقلنا للمجتمع المدني المصري، ودوره في التعامل مع استشراء ظاهرة خطاب الكراهية، سنجد أن الهيئة القبطية الإنجيليَّة للخدمات الاجتماعية.. تُعد واحدة من أكثر مؤسسات المجتمع المدني اهتماماً بالموضوع؛ من واقع اهتمامها بتعزيز قيمة المواطَنة، وحرصها على توفير مساحة آمنة لتبادل الآراء المختلفة بشكلٍ محترمٍ. وعلى المستوى الشخصي لا يمكنني أن أحصي عدد الندوات – في الداخل والخارج – التي شاركتُ فيها مع الهيئة.. من أجل نشر ثقافة قبول الآخر المختلف أياً كان. وآخر الفعاليات التي حضرتها في هذا الخصوص.. مؤتمر «معاً لمواجهة خطاب الكراهية» الذي انعقد في القاهرة يوم 17 ديسمبر 2025، الذي مثَّل نقلةً نوعيةً في التعامل مع الظاهرة. فلقد أتى هذا المؤتمر كثمرة لتعاون الهيئة.. مع مجموعة من الشركاء في الداخل والخارج؛ جميعها يؤمن بخطورة انتشار خطاب الكراهية، وتلك الجهات هي: دار الإفتاء المصرية، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ومركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار. وخرج المؤتمر الحاشد بمجموعة من التوصيات.. في مجالات التعليم والإعلام والقانون، تنتظر التفعيل. كذلك تعاونَت الهيئة مع اللجنتين التشريعية والثقافية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان – في دورته الحالية – من أجل صياغة مشروع قانون لتجريم خطاب الكراهية.. نتطلَّع أيضاً أن يجد مكانه على أچندة مجلس النواب الوشيك، فالآلية العقابية – وإن تكن ليست كافية لمواجهة ظاهرة انتشار خطاب الكراهية – إلا أن بها يتحقق عنصر الزجر. واشتغل المجلس القومي لحقوق الإنسان – عبر مشروعين كبيرين في دورتيه السابقتين – على تحليل مناهج التعليم.. في اللغتين العربية والإنجليزية والدين الإسلامي والمسيحي والمواد الاجتماعية، وضَع يده على بعض النصوص التي تحتاج إلى مراجعة وتعديل.. كي لا ينفُذ منها التمييز، أو يُشتق منها خطاب يُحرِّض على الكراهية. وعقَد المجلس أكثر من حلقة نقاشية.. مع كبار المسئولين في وزارة التربية والتعليم؛ لمناقشتهم في نتائج الدراستين. والموضوع يحتاج إلى متابعة.
يبقى أمامنا سؤالان؛ السؤال الأول هو: هل يمكن لهذه الجهود أن تُحدث تغييراً حقيقياً؟ والإجابة هي نعم، ومن بين عدة نماذج ناجحة في عملية التغيير، أتوقّف أمام النموذج الذي تقدمه لنا قرية طهنا الجبل – التي يسكنها خليط من المسلمين والمسيحيين – وقرية نزلة عبيد المجاورة.. التي يسكنها المسيحيون (حصرياً) من الطائفة الأرثوذكسية. وفي مجال العمل على مكافحة خطاب الكراهية – الذي كان يباعد تماماً بين هاتين القريتين – تعاونَت مجموعة من الوزارات المختصّة بالشباب والتضامن الاجتماعي والتعليم – بمستوييه ما قبل الجامعي والجامعي – والأوقاف.. مع كل من المجلس القومي للمرأة، والهيئة القبطية الإنجيليّة. وأدَّى الجهد الجماعي إلى خلق مساحات للعمل التطوعي المشترك.. من شباب القريتين، كما أدَّى إلى تراجع جرائم الثأر، وأحداث الفتنة الطائفية، وتسبَّب في تغيير النظرة لعمل المرأة الصعيدية، وهذا تطوُّر مهم.
هنا أفتح قوسين، لأشير إلى فيلم «رفَعت عيني للسما» – الذي يوثِّق التجربة الفنيَّة الملهِمة لبنات قرية البرشا بمحافظة المنيا – وهي التجربة التي لعب فيها المجتمع المدني دوراً مؤثراً. أما السؤال الثاني الأكثر أهمية، فهو: هل هذا كافٍ؟ والإجابة هي لا.. بكل تأكيد، فهناك حاجة للتحرك على أوسع نطاق ممكن وبمستوى عالٍ.. من التشبيك بين الجهود، وتوزيع الأدوار بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. ومن أجل أن يتحقق ذلك، لابد من وضع خطة زمنية طويلة الأمد.. تراعي الطبيعة المختلفة لمحافظات الجمهورية، وتصمِّم – وفقاً لهذا الاختلاف – برنامجاً مرناً لمكافحة خطاب الكراهية؛ يتميّز بالاستدامة، ويحرص على قياس الأثر من فترة لأخرى.
نقلاً عن «الأهرام»