في مدينة خرج السعودية التي تضمّ قاعدة عسكرية أميركية والتي ينظر إليها كواحة خضراء في قلب الصحراء لطالما كانت مقصدا للراحة والاسترخاء، يسعى السكان الى مواصلة حياتهم “الطبيعية”، كما يقولون، رغم النيران الإيرانية.
كما اعتاد عليه منذ سنوات، يخرج المتقاعد السعودي عبدالله للصلاة وقراءة القرآن في مسجد المدينة التي تتعرّض لهجمات شبه يومية منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط قبل أكثر من خمسة أسابيع.
ويقول الستيني عبدالله الذي فضّل الاكتفاء باسمه الأول، فيما يمسك بمصحفه داخل مسجد الملك عبد العزيز المبني على الطابع النجدي، “نعم، نسمع أصوات الاعتراضات المدوّية، لكن نادرا ما نرى أي شيء في السماء”.
ويتابع “نعم، إنه لأمر غير معتاد في الخرج، لكن الحياة طبيعية وتسير كالمعتاد من دون أي تغيير أو هلع”.
وتقع الخرج التي تضمّ قاعدة الأمير سلطان الجوية، على بعد 100 كلم جنوب شرق الرياض، وقد طالتها ضربات إيرانية متكرّرة عقب بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في فبراير.
والخرج من أكبر محافظات إمارة الرياض، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 370 ألفا غالبيتهم سعوديون، بحسب الأرقام الرسمية لعام 2025. وتُعدّ المحافظة من أهمّ المراكز الزراعية في المملكة الخليجية الصحراوية، إذ تضمّ مئات مزارع التمور والخضروات والفاكهة التي تكسو المدينة بغطاء أخضر مميّز وتكسبها لقب “سلة غذاء المملكة”.
وشهدت المدينة سقوط أول الضحايا المدنيين في السعودية في الحرب. إذ قتل آسيويان وأصيب 12 شخصا آخرين الشهر الماضي حين سقط “مقذوف عسكري” على موقع سكني لإحدى الشركات.
وأصيب الثلاثاء شخصان لم تُحدَّد جنسيتهما إصابة طفيفة إثر سقوط شظايا على ثلاثة منازل بعد اعتراض طائرة مسيّرة. وفي اليوم ذاته، تضرّرت ستة منازل بشكل محدود جرّاء اعتراض مسيّرة، بحسب الدفاع المدني.
وتستضيف السعودية، حليفة الولايات المتحدة، قوات أميركية في هذه القاعدة الجوية الواقعة على بعد نحو 30 كلم جنوب الخرج، والتي يستلزم الوصول إليها الانعطاف في طريق فرعي تتمركز على جانبيه عربتا شرطة.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف بالصواريخ القاعدة التي يقول إنها تُستخدم لتجهيز “مقاتلات إف-35 وإف-16” وتحوي أماكن لتخزين طائرات التزوّد بالوقود.
وشكّلت القاعدة مركز قيادة للقوات الأميركية خلال حرب الخليج الأولى، ثم لفترة وجيزة خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، قبل أن تنسحب جميع القوات الأميركية من المملكة في السنة ذاتها.
وعادت القوات الأميركية إلى السعودية عام 2019، بموجب اتفاق بين واشنطن والرياض، وأشارت تقارير إعلامية آنذاك إلى استضافة قاعدة الأمير سلطان الجوية مئات الجنود.
وشكّل وجود القوات الأميركية في السعودية في الماضي نقطة خلاف مع التيار المحافظ في المجتمع السعودي الذي يرى أن وجود قوات أجنبية غير مسلمة في بلاد الحرمَين هو بمثابة إهانة للإسلام.
ومنذ بداية الحرب، تعرضت السعودية مرارا لهجمات إيرانية، طالت أيضا قطاعها النفطي في شرق البلاد.
وتتهم طهران جيرانها الخليجيين بالسماح للقوات الأميركية بشن هجمات عليها انطلاقا من أراضيهم. وتنفي دول الخليج هذه الاتهامات.
وأفادت وسائل إعلام أميركية الشهر الماضي بإصابة 12 جنديا أميركيا على الأقل جراء هجوم إيراني على القاعدة، وتضرّر عدد من طائرات التزوّد بالوقود في الجو جراء الهجوم. بينما قال مسؤولون إيرانيون إن الجمهورية الإسلامية أصابت فيها طائرة استطلاع متطورة تُقدّر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.
قرب المسجد الواقع في وسط الخرج، مطعم آسيوي ومحل للخضروات مفتوجان أمام الزبائن. بينما تسجّل حركة سير وأعمال بناء في المدينة التي تنتشر فيها فيلات ومنازل لا يتجاوز ارتفاعها الطابقين.
في مطعم للمندي اكتظ بالرواد وقت الظهيرة، انشغل البعض بمتابعة أخبار الحرب على هواتفهم المحمولة.
ويقول الموظف الحكومي تركي بينما يتناول شرائح اللحم والأرز “الخرج باتت في الأخبار والأصدقاء يتصلون للاطمئنان علينا مع كل خبر تقريبا”.
ويتابع لفرانس برس “لكننا بخير ولا يوجد حالة رعب عام أو هلع. كما ترى الحياة تسير بشكل طبيعي جدا”.
على مقربة من المكان، تتسوّق أمهات سعوديات مع أطفالهن في منطقة “ذا ذوون الخرج” التي تضم مطاعم ومحالا راقية.
ولا ينكر البعض شعورهم بالخوف جراء لدى سماع دوي الانفجارات الناجمة عن اعتراض الصواريخ البالستية والمسيّرات الإيرانية أو حين يتلقون إنذارات على هواتفهم المحمولة بضرورة الاحتماء.
وفيما تحتسي قهوتها الساخنة في مقهى سعودي، تقول بتول، وهي طالبة سعودية تبلغ 21 عاما، “سأكون كاذبة لو قلت إنني لا أخاف حين أسمع الانفجارات أو حين عرفت بمقتل العمّال” الآسيويين.
لكنها تتابع من أمام حاسوبها الشخصي وكتبها الدراسية “أنا خارج المنزل أدرس. تفاصيل حياتي اليومية لم تتغيّر على الإطلاق بسبب الحرب”.