عبدالله عبدالسلام
قبيل اندلاع ثورة 1919، كان الزعيم سعد زغلول يردد كلمته المأثورة: «لا بد لنا من قارعة»؛ أي حَدَثٌ جلل.. يوقظُ الأمة ويجعلها تثور على الاحتلال. قرَّر المُستعمرون نفي سعد، فاشتعلت الثورة التي لم يتوقعها أحد.
… الأفراد كالأمم، تشغلهم أمور شخصية ومشاكل صغيرة تملأ عليهم حياتهم، ويظنون أنه لا مجال للاهتمام بشيء آخر. ثم تَحدُث «القارعة» فجأة، فتنقلب حياة الإنسان، يستصغر حياته وهشاشتها، يرى شيئاً أكبر وأعظم، ينخرط تماماً في «قضيته الكبرى».. الجديدة، يتحول إلى إنسان آخر صاحب ضمير، يرنو إلى «السماء الثامنة»، التي يصل إليها فقط.. مَن يرتقي إلى مرحلة التضحية في سبيل القضية الكبرى.
في عمله الروائي الجديد «السماء الثامنة»، يرصد الكاتب الكبير محمد سلماوي هذا التحوُّل الإنساني.. الذي لا يبلغه إلا «أولو العزم والإرادة» من البشر. تقرأ البطلة إيمان خبراً قصيراً – منشوراً في صحيفة – عن: «استشهاد الطبيب المصري عمر المهدي.. في أثناء قيامه بعملية جراحية لطفلة بمستشفى المعمداني بغزة». ينزل عليها الخبر كالصاعقة. تستعيد علاقتها بالشهيد، وقصة الحب التي ربطت بينهما. وكيف سار الحبيبان، كلٌّ في طريق.. تزوجت من شخص آخر، ولم تعد تعرف عنه شيئًا. إلى أن أعادته غزة إليها، ليس كإنسان من لحم ودم، بل كروح ورسالة وضمير. حالت بين حبهما الفوارق الاجتماعية وجمعتهما غزة.
يُمسك المؤلف باللحظة الفارقة.. عندما يواجه الإنسان ذاته، ويقرر التمرد عليها. تكتشف إيمان أن حياتها المرفهة فارغة. يأتي العدوان الهمجي الإسرائيلي على غزة ليصحح بوصلة حياتها.
فلسطين أيقظت ضميرها، كما أخرجت ضمير العالم من سُباته. تتذكر رواية «الأميرة دي كليف» الفرنسية المنشورة 1678، والقرار الذي اتخذته الأميرة.. باللجوء إلى الخدمة العامة؛ للتكفير عن ذنبها. قررت تكريس وقتها للعمل في الدير.. لعل جهدها ينفع الناس. بطلتنا إيمان فعلت ما هو أعظم. ذهبت إلى الأرض الصامدة المقدسة (غزة الجريحة)، لتكون مع أهلها. قفزت من السيارة ووقفت على الأرض.. التي طالما سال على ترابها دم غال.. عبر التاريخ.
تنفَّست هواءً مُحمّلاً بالمأساة الإنسانية.. لكنه نقيّ، خالٍ من الأكاذيب، هواء لا يتنفسه إلا من واجه الحقيقة وتسامح مع نفسه.
وأنت تقرأ الرواية، تشعر أن الكاتب يضخ في البطلين – «عمر» و«إيمان» – من روحه ومبادئه. القضية الفلسطينية عامل حاكم في مسيرته، يظهر ذلك من خلال أعماله الأدبية ومقالاته وأنشطته الثقافية والفكرية؛ من مسرحية «سالومي» 1986، إلى رواية «الخرز الملون» عام 1991، ثم «أجنحة الفراشة» 2011. ستجد فلسطين حاضرة بقوة في مذكراته « يوما أو بعض يوم» و«العصف والريحان»، يُفرد أيضاً مساحات معتبرة بشأنها.. إضافة بالطبع إلى عموده اليومي «جرَّة قلم» بصحيفة الأهرام.
فلسطين في أعماله تُحرِّر أبطاله من العادية والتقليدية، تُحرِّر العالم أيضاً.
«إيمان» نموذج لجيل مصري عربي جديد، لا ينظر إلى ما يجري في فلسطين؛ باعتباره حدثاً عابراً.. نهتم ونتعاطف معه، لكن لا شيء بعد ذلك. جيل لا يعتبر القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين فقط، ويكفينا ما قدمنا من تضحيات. هذا الجيل يعتبر فلسطين امتداداً لمصر.. والعكس بالعكس.
دماء «عمر المهدي» لم ولن تذهب هباءً.
نقلاً عن «المصري اليوم»