نبيل عبدالفتاح
هل هناك حاجة، وضرورة.. للدراسات والبحوث فى العلوم الاجتماعية، ومراكز البحث السياسى والاستراتيجي؟
تبدو بعض الغرابة فى السؤال ذاته، إذا ما طرح منذ خمسة عقود، ويزيد.. لاعتبارات اتصلت باهتمامات بعض الطبقات السياسية الحاكمة، بضرورة معرفة الواقع الموضوعى والتاريخى.. داخل بعض المجتمعات العربية؛ من خلال البحوث النظرية، أو الميدانية.. سعيا وراء فهم هذا الواقع، الذى بدا – بعد الاستقلال – أنه كان مفهوما، وبسيطاً، ويمكن التعامل مع مشكلاته المختلفة. كشف الواقع الاجتماعى – غير المدروس – عن تفجر مشكلاته الاجتماعية؛ من خلال التغيرات فى أنساق القيم الاجتماعية، والأسرية، والانفجار السكانى، وبعض التهتك فى الأنسجة الاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر، والحياة عند الحافة، وعدم قدرة النظام التعليمى، والصحى والسكنى.. على الوفاء بضرورة احتياجات ازدياد عدد السكان ، والطلاب، وعدد المرضى المتزايد، ومعه نقص الأسرة فى المستشفيات، وأعداد الأطباء، والمعاونين لهم، وظاهرة الاستقطاب الحضرى، والهجرة من الأرياف إلى المدن، ومشكلات نقص الوحدات السكنية.
انفجار المشكلات الاجتماعية، نبه بعض القادة والحكومات.. إلى أهمية إنشاء مراكز للبحث الاجتماعى؛ على النمط الغربى، لكن دون إمكاناتها، كوادرها العلمية، وقدراتها! ومن ناحية أخرى، لم تستطع الجامعات أن تنهض بهذه الأدوار البحثية لمشكلات المجتمع. كذلك، كانت صدمة هزيمة يونيو 1967 القاصمة.. كاشفة عن ضحالة المعرفة السياسية والسوسيولوجية بالنظام السياسى فى إسرائيل، وتطور نظامها التعليمى، والعسكرى، ونظام سياساتها الخارجية!
من هنا تم إنشاء مركز الأهرام.. لدراسة الصهيونية، ثم تحوله بعد ذلك لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية؛ الذى لعب دوراً مركزياً، فى نقل بعض الفكر السياسى، من لغة الانطباعات، والمقاربات الأيديولوجية.. إلى الانضباط المعرفى، واللغة الاصطلاحية، والفنية السائدة فى الدراسات العلمية الغربية والعالمية.
أدت دراسات باحثى وخبراء المركز.. إلى نقلة نوعية ومنهجية.. فى الكتابة البحثية. وفى المقالات التحليلية.. على نحو شكل تحديا صعباً للكتابة السائدة فى السياسات العامة، والعلاقات الإقليمية، والدولية، بل وفى تحليل نظام السياسة الخارجية الإسرائيلية، والنظام السياسى والمجتمع الإسرائيلى؛ على نحو جعله واحدا من أهم مراكز الشرق الأوسط – مع بعض المراكز الإسرائيلية – رغم ضعف ميزانيته المحدودة، بما لا يقارن مع بعض مراكز البحث فى المنطقة، بل وفى بعض الدول الإفريقية الفقيرة.. لاعتمادها على التمويل الخارجى.
لم يقتصر دور مركز الدراسات على الشؤون الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية، بل فى مقاربة الشؤون العربية، والأهم.. مقارباته للمشكلات الداخلية فى مصر، ونقل مقارباتها من الانطباعات البسيطة والساذجة، إلى مناهج التحليل العلمى الرفيع!
لماذا تميز مركز الدراسات فى مصر، والعالم العربى؟
لأن أجيال الباحثين والخبراء.. كانوا ذوى تكوين معرفى وعلمى متميز، ومارسوا المهنة البحثية باقتدار، ووفق تقاليد تم إرساؤها فى عهد المرحوم السيد يسين – المفكر المصرى البارز – بصرامة علمية.. لم يحد عنها! يبدو أيضا ذلك فى اختيار الجماعة البحثية؛ حيث سادت المعايير العلمية فى اختيار الباحثين، بعد ممارسة، وخبرة، ومران بحثى.. بالغ الصرامة، والتعلم فى أرقى الجامعات الغربية، وغيرها!
لم يكن ذلك فقط فى المستوى الرفيع للمركز وباحثيه، وإنما التقاليد التى أرسيت للبحث والنقاش، والخريطة البحثية السنوية، والطارئة.. فى الأزمات. والأهم هو هذا الجيل الذى خرج من أعطاف صدمة النكسة، وهزيمة يونيو، وهو لا يزال فى الثانوى والإعدادى.. فى التعليم المدرسى العام، لم يكن بينهم بعض من الصفوة إلا قليلا!، وكانت الغالبية من أبناء الشعب، وأغلبيته المعسورة، والفئات الوسطى الصغيرة ، وانحيازاتهم للأغلبية، واعتقادهم الراسخ.. أن تقدم بلادهم رهن بالعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والاستقلال والتحرر الوطنى.
ومن أبرز اهتمامات الطبقة السياسية بمراكز البحث، ما نهض به مركز الدراسات السياسية فى متابعة تطورات النظام الدولى، والإقليم العربى، وتحولات المجتمع المصرى. نشأ أثر ذلك عديد من المراكز البحثية العربية – الممولة عربيا أو دوليا – حتى أوائل القرن الجديد.
مع الصراعات الداخلية، وجمود الطبقات السياسية العربية، وتفاقم الأزمات، وانتهاكات حقوق الإنسان، أدى ذلك إلى بروز أدوار النشطاء الحقوقيين. وفى ظل تمدد الجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، والسلفيين.. صعد معها دور الداعية الدينى، خاصة بعد ما سمى مجازًا «الربيع العربى». ثم رافق فشل عمليات الانتقال السياسى الديمقراطى فى مصر وتونس، تراجع في دور مراكز البحث.. فى ظل النكوص إلى ظاهرة موت السياسة فى العالم العربى.
ساعد على تراجع دور مراكز البحث ايضا..غياب الطلب الاجتماعى على المعرفة، والتحليلات العلمية.. مع تردى مستويات التعليم فى الدول العربية. والأخطر، أن الثورة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعى، أدت إلى دخول الجماهير الغفيرة الرقمية.. لإبداء آرائها السطحية والتافهة فى كل شىء، وفى تفاصيل الحياة اليومية، والسياسة.. إلخ؛ من خلال المنشورات على الفيس بوك، والتغريدات على تويتر، أو عبر الفيديو الطلقة. ومع تراجع قراءة الأعمال التحليلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نجدها قد حوصرت تمامًا، إلا من قلة محدودة من القراء على مواقع التواصل، نظرًا لتراجع الصحف والمجلات الورقية.
وفي الوقت نفسه، قامت دول الخليج النفطية بإنشاء مراكز بحثية.. تابعة لأجهزة الدولة، لمساعدتها فى سياساتها الخارجية، انطلاقا من طموح الأجيال الشابة من الحكام.. فى لعب أدوار إقليمية جديدة، فى ظل التغير فى موازين القوى والاهتمامات، والمصالح الوطنية فى الإقليم.
نقلا عن «الأهرام».