د. أحمد يوسف أحمد
كأنَّ العالم لم يتقدم خطوة واحدة.. منذ سقط في مستنقع الحروب التدميرية الشاملة؛ التي بلغت ذروتها بالحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين سقط ضحية لهما ملايين البشر، ناهيك عن الخسائر المادية الرهيبة…
وكأنَّ دروس حرب فيتنام، وغزو أفغانستان والعراق.. التي أكدت عجز القوة عن أن تُفضي إلى استقرار وانتصار دائمين قد تبخَّرت…
وكأنَّ إسرائيل لم تخرج من حروبها ضد الشعب الفلسطيني، وعديد من الدول العربية، بأي دروس عن حدود القوة، وحتمية المقاومة، وصمودها حتى النصر بإذن الله. وكأنها لا تعرف شيئاً عن تاريخ حركات التحرر في الجزائر وجنوب اليمن وجنوب أفريقيا.. التي انتهت ببلوغها أهدافها؛ رغم ما واجهته من وحشية، وعثرات وانكسارات.. عبر العقود.
فها نحن نواجه مجدداً.. محاولات عقيمة لتوظيف القوة، تحت ستار أكاذيب.. لا تتورَّع عن تكرار ممارسات القتل والتدمير على أوسع نطاق، بل وتتفاخر بذلك؛ فتزهو البيانات الرسمية بعشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء، وبإزالة دولة من خريطة العالم، وإعادتها للعصر الحجري، بل وتهدد بالقضاء على حضارة بأكملها. ومن المؤسف أن يعتقد رئيس أقوى دولة في العالم.. أن الحضارات تندثر بضربة عسكرية، ويجري ذلك كله في إطار من المغالطات المفضوحة، والكم الهائل من الألفاظ البذيئة.. غير المسبوقة في اللغة الدبلوماسية العالمية، التي سيُنسب لأصحابها جرم الهبوط بها إلى الحضيض.
تبدو خبرة كل هذه الدروس السابقة.. غائبة تماماً عن الممسكين بمفاتيح صنع القرار، في دولة يُفترض أن لديها مؤسسات حقيقية، تشارك في عملية صنع القرار، ويُفترض أن مشاركتها هذه.. تصل بالقرارات إلى الحد الأقصى من الرشادة. غير أن الواضح أن هذه العملية، باتت حصراً بيد صانع القرار الأعلى، وفئة تُعد على أصابع اليد الواحدة.. لا عمل لها سوى التصفيق لقراراته، رغم المعارضة الواسعة لها مجتمعياً، بل وداخل المؤسسات المعنية مباشرة بالحرب، وعلى رأسها القوات المسلحة؛ بدليل كم الاستقالات أو الإقالات التي تمت مؤخراً داخلها.
وعليه، لا يبدو غريباً.. أن تكون القرارات غير مدروسة؛ وصولاً إلى درجة العشوائية. والنتيجة أننا إزاء واحدة من أخطر الحروب بعد الحرب العالمية الثانية.. رغم تهاوي الحجج التي تُساق لتبريرها؛ وأولاها: البرنامج النووي الإيراني، الذي تُعلن إيران سلميته دائماً. وبفرض أنها تكذب كإسرائيل، فإن هناك حقيقة دامغة.. مفادها أنها وقعت 2015 على اتفاق بخصوص هذا البرنامج، مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن؛ ومنها الولايات المتحدة.. بالإضافة لألمانيا، وأن من خرج عن الاتفاق هو ترامب في ولايته الأولى عام 2018، فضلاً عن تأكيده – بعد عدوان يونيو 2025 – أن برنامج إيران النووي قد قُضي عليه تماماً.
وكانت ثانية الحجج المتهافتة للعدوان، أن النظام الإيراني يقتل شعبه، فما بالنا بدولة تُعمل القتل في شعب يعيش على أرضه المغتصبة، وكل جريرته أنه يقاوم احتلالاً خضع له منذ ما يزيد عن ثلاثة أرباع القرن.
وما بالنا كذلك بدولة تختطف رئيس دولة أخرى.. بسبب اتهامات هي من أطلقتها. فضلاً عن أن النظام الإيراني ليس الوحيد.. الذي يُواجه تعقيدات في علاقته بشعبه، ناهيك عن أن من أبدى حرصاً على أرواح عشرات من البشر، يتفاخر بإزالة دولتهم من الخريطة، ويهدد بتدمير حضارتهم.
أما باقي الحجج المُبرِّرة للعدوان واستمراره.. فهي ناجمة عن العدوان ذاته؛ كإغلاق مضيق هرمز. وصحتها.. السيطرة الإيرانية عليه؛ لأن إيران لم تغلقه إلا بوقوع العدوان، كما أنها لم تغلقه إلا في وجه من تعتبرهم أعداءها. وبالتالي، لا يصمد من المبررات المحتملة للعدوان.. إلا الانسياق الكامل للرغبة الإسرائيلية، والشواهد عليه أكثر من واضحة، والرغبة في الاستحواذ على بترول إيران – كما حدث في الحالة الفنزويلية – وهي رغبة مُعلنة في الخطاب السياسي على أي حال.
ولقد ظل العالم يحبس أنفاسه كلما اقتربت لحظة تنفيذ التهديد، واستمر تأرجح التحليلات.. بين سيناريو التسوية، الذي بموجبه يمعن ترامب في إطلاق تهديداته.. أملاً في إجبار إيران على التنازل. فإذا لم تتنازل بما يكفي، ادَّعى أنها فعلت، ونزل من على قمة الشجرة، وسيناريو تكرار تجربة الخداع التكتيكي التي تمت في جولتي العدوان السابقة والحالية على إيران، بمعنى التفاوض.. بغرض خداع الخصم ومفاجأته بالضربة العسكرية. وفي الساعة الأخيرة أعلن ترامب وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، يتم خلالهما النظر في مقترح من 10 نقاط قدَّمته إيران، ذكر ترامب أنه حل معظم الخلافات بين الجانبين.
… تطرح هذه التطورات أسئلة عديدة.. عن الأسباب الحقيقية لقبول ترامب عرض إيران من حيث المبدأ؛ وهل تعود للعجز عن كسر شوكتها عسكرياً؟ أم لبراعتها في استخدام الورقة الاقتصادية، (وفي القلب منها مضيق هرمز)؟ وكذلك أسئلة عن المحتوى النهائي للاتفاق المحتمل؛ وهل يشمل المجموعات المرتبطة بإيران؟ وما موقف إسرائيل في هذه الحالة؟
وأخيراً، هل يأتي الاتفاق المحتمل بحل جذري يجيب عن كل الأسئلة؟ أم بتسوية قد تصمد حيناً، لكنها تبقى مهددة بالانهيار.. لتفتح الباب لجولات أخرى من الصراع؟
نقلاً عن «الأهرام»