Times of Egypt

عن رمضان.. ومناشدة لوزير الأوقاف

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

رمضان كريم.. وكل عام ومصر بخير.. قبطها المسيحيين وقبطها المسلمين.. وسائر مواطنيها بمختلف أديانهم ومذاهبهم وعقائدهم؛ حيث رمضان أضحى في مصر مناسبة روحية واجتماعية عامة تفنَّن أهلها في الاحتفاء به، وتضفير كل مكنونات وجدانها في ضفيرة بديعة واحدة، تتداخل خصلتها القديمة مع ما تلاها من خصلات مسيحية وإسلامية، ورددوا أهازيج.. تحوي كلمات ودلالات قديمة ووسيطة وحديثة!

ولقد قيل – وهو قول حق – إن مصر مصَّرت الإسلام – إذا جاز التعبير – بمعنى أنها أضفت على ما جاءها سمات تعكس ثقافتها ومدنيتها؛ أي حضارتها ضاربة الجذور في أعماق عقدية عرفت التوحيد منذ عشرات القرون، بل إنني لا أبالغ.. إذا قلت إن مطالعاتي التاريخية جعلتني أتوقف طويلاً أمام الجدل اللاهوتي الساخن – الذي شهدته مصر وخاصة في كنيسة الإسكندرية، التي يُنسب إليها الكرسي البابوي المصري «بابا الإسكندرية» – كان من نتائجه انتشار أحد المذاهب المسيحية في محيط مصر، وخاصة بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، ولم يختلف المضمون العقيدي الإسلامي كثيراً.. عن المضمون العقيدي للمذهب الأريوسي. 

وربما يجوز لمن واتته فرصة التأمل التاريخي لحقب تاريخ مصر، أن يربط بين وسطية وسماحة التدين الإسلامي في مصر، وبين ما استقر في وجدان وعقل المصريين.. من تعاليم مسيحية قبل دخول العرب وانتشار الدعوة، ومن بين ذلك الذي استقر.. تأتي نصوص ومضامين «الموعظة على الجبل» – التي ألقاها السيد المسيح عندما صعد إلى الجبل وألقى موعظته – التي جاء نصها في الأناجيل، ومنها إنجيل متى، ومما قاله فيها: «سمعتم إنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.. لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين، لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم، أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك، وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون أليس العشارون أيضاً يفعلون هكذا، فكونوا أنتم كاملين.. كما أن أباكم الذي في السموات كامل» متى 5: 43-48. 

ثم إن الشعب المصري – في عمق فئاته الشعبية – بقي إلى ما قبل اشتداد وطأة مذاهب المتسلفين -بتنويعاتهم الدعوية والإرهابية – يمارس المحبة والاندماج الكامل، فيحتفي المسيحيون منه بشهر رمضان، وتمتنع غالبيتهم العظمى عن تناول الطعام أو الشراب أو التدخين علناً.. في نهاره، ويشاركون في إقامة موائد الإفطار وتعليق زينات الفوانيس. وكذلك المسلمون في هذا العمق الشعبي.. ينذرون النذور للسيدة العذراء، ولمارجرجس ، ويشاركون في الموالد التي تقام وتدق فيها الأجراس، وترتل التراتيل، ويوقدون الشموع، ويحتفلون بالغطاس فيأكلون القلقاس، ويحتفون بشم النسيم، وتتكحل الجفون ويؤكل الخس والملانة والسمك المملح بأنواعه «فسيخ- سردين- رنجة– أنشوجة– ملوحة» والبيض الملون!

ولم تكن مصر – قبل هبوب رياح السّموم المتسلفة.. بجناحيها الدعوي والإرهابي – تناقش أو تختلف على المودة والمحبة والزيارات والتهنئة والمشاركة من المسلمين للمسيحيين، أو تناقش مسألة الكفر والإيمان وما على غرارها من أمور.. يعرف الكافة أنها شأن إلهي، أمرنا الله – سبحانه وتعالى – بأن نتركه ليوم الدينونة، ولا دخل لبشر في معتقد الآخرين.. وبغير أن يحفظ المسلمون نصوص القرآن الكريم، إلا أن مضامينه استقرت في عقولهم ووجدانهم، ومنها ما نصت عليه الآية السابعة عشرة من سورة الحج: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد» الحج 17. 

ثم إن رمضان هلَّ علينا هذا العام، وتواكب معه تجديد لدماء مجلس الوزراء، وكلنا أمل أن يؤتي التجديد ثماره المرجوَّة؛ وخاصة على جانبي بناء إنسان مصري قوي بالعلم والثقافة، والغذاء الصحي والنشاط والعمل. وجانب تخفيف معاناة الناس وتحملهم فاتورة الإصلاح الاقتصادي. أما التجديد المنشود أيضاً وبشدة – وبقي الرئيس السيسي ينادي به في كل المناسبات المرتبطة بمجاله – فهو التجديد في خطاب الدعوة، وفي فقه التدين الصحيح. وأعتقد أن وزير الأوقاف يعلم.. أنه ليس بالميكروفونات يحدث هذا التجديد، لأننا سمعنا وقرأنا أن معاليه.. قرر أن يسمح للمساجد والزوايا أن تبث من ميكروفوناتها القرآن قبيل المغرب والفجر. وإذا صح أنه قرر ذلك، فلا أدري هل هو يدرك كمية المخالفات.. المسببة للضجيج، وقضّ هدوء ووقار الصائمين والقائمين.. وهم يؤدون المشاعر بطريقة تلتزم الأمر القرآني «ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً» الإسراء 110، فما بال الوزير الموقر بمن نصبوا العديد من مكبرات الصوت على مآذن المساجد – كبيرة وصغيرة – والمسافات بين المساجد قصيرة، وربما تبدو شبه متلاصقة؛ وكل صاحب شهوة للظهور.. يعكم «المايك» ويرفع عقيرته، لتضخمها مكبرات الصوت أضعافاً بغير حصر.

ولن يقتصر الأمر على بث القرآن الكريم.. لأن تلك العينة – التي انتقدها الشيخ الشعراوي بشدة ووصفهم بوصف «الهبهبة».. في فيديو شهير له – ستمارس الخطابة والثرثرة والوعظ في تلك المكبرات، وبعضهم لا يراعي الآية الكريمة.. بعدم المجاهرة، ولا يراعي الأصول التي أرساها النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما وجد البعض يرفع صوته عالياً بالدعاء، فقال ما معناه.. إنكم لا تدعون أصمًّا. وعندما أمر برحمة الناس من كبار السن والأطفال والمرضى. ولذلك ولغيره أناشد الوزير الدكتور أسامة الأزهري أن يراجع الأمر.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة