أحمد الجمال
قد لا يعلم كثيرون – كنت واحداً منهم – بعض تفاصيل العلاقات السعودية اليمنية تاريخياً، وأن القرن العشرين شهد صفحات من الصراع؛ كان منها ما سُمي «الحرب السعودية-اليمنية» عام 1934، حين كان اليمن تحت حكم المملكة المتوكلية اليمنية، وقد نشبتتلك الحرب في مارس 1934 واستمرت حتى14 يونيو 1934.
وما فاجأني أكثر.. هو وجود طرف ثالث، نادراً جداً ما يتطرق إليه أحد في الكتابات الصحفية، ونادراً ما تُعرف قصته، وكيف ومتى أصبح ذلك الطرف حاضراً في الجغرافيا «السعودية-اليمنية» أو في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية.
وسأعرض لبعض تفاصيل الأمر؛ لأشير إلى أن إمارة – سُميت «الإمارة الإدريسية» – قامت فيما يسمى المخلاف السليماني – أي المحافظة السليمانية – وكان يضم منطقة جازان وتهامة وعسير، وهي المناطق التي لا يزال يمنيون يعتبرونها.. أرضاً يمنية استولت عليها السعودية.
وقد تأسست تلك الإمارة على يد الأمير محمد بن علي الإدريسي، واتخذت من مدينة «صبيا» عاصمة لها. وتعود جذور الأسرة الإدريسية إلى الجد الأعلى؛ السيد أحمد بن إدريس الفاسي، وكان عالماً زاهداً يعود نسبه إلى آل البيت، الذين اتجهوا للمغرب الأقصى، هرباً من العسف الأموي، واستقروا هناك.
وقد جاء أحمد بن إدريس من المغرب.. متوجهاً إلى مكة المكرمة، ثم استقر في تهامة وصبيا عام 1830، ونشر طريقته الصوفية هناك، وحظيت أسرته بمكانة دينية واحترام كبير بين قبائل المنطقة.. التي كان يسيطر عليها العثمانيون، وعانى منهم أهالى المخلاف – أي المنطقة أو المحافظة.. حسب التسمية اليمنية – معاناة من الاضطرابات الأمنية والمتاعب الحياتية.
وهنا ظهر محمد بن علي الإدريسي – بعد عودته من دراسته بالأزهر – ليبدأ في تنظيم أمور المنطقة، والعمل على فض المنازعات، وإحلال الأمن بين القبائل.
وعندما التفت حوله القبائل، ورأت جهوده.. بايعوه وعاهدوه على السمع والطاعة، فأعلن الإدريسي قيام حكومته، واستقلاله بصبيا وأبي عريش عام 1908، وقاد ثورة مسلحة ضد العثمانيين 1910، وتحالف مع بريطانيا وإيطاليا، واتسعت الإمارة لتشمل كامل منطقة جازان وتهامة وعسير، والحديدة وحرض في اليمن.
وتوفي محمد علي الإدريسي عام 1923 لتعاني إمارته صراعات داخلية وضغوطاً من أئمة اليمن، فوقّع الأدارسة معاهدة حماية مع الملك عبد العزيز آل سعود عام 1926؛ هي «اتفاقية مكة». وبموجبها جرى دمج الإمارة بالكامل في الدولة السعودية الناشئة بعد معاهدة الطائف 1934.
ونعود إلى الحرب إياها بين السعودية والمملكة المتوكلية اليمنية – التي كان يحكمها آنذاك الإمام يحيى حميد الدين، وابنه أحمد بن يحيى – وكانت السعودية بقيادة الملك عبد العزيز، ويعاونه في الحرب أمراء في مقدمتهم سعود بن عبد العزيز، وفيصل بن عبد العزيز، وفيصل بن سعد، ومحمد بن سعود الكبير، وخالد بن محمد عبد الله الفيصل. وكانت القوة السعودية قوامها ثلاثين ألفاً، والقوة اليمنية قوامها سبعة وثلاثون ألفاً؛ تساندها بعض السفن الحربية الإيطالية.
وفي 3 مايو 1924، زحف الجيش الإمامي اليمني لحرب الأدارسة، واستولى جيش الإمام بقيادة عبد الله بن أحمد الوزير.. على ميناء الحديدة، وغيرها من موانئ تهامة ومدنها. واستهدف مدينتي صبيا وجازان وتوابعهما، ورفض اليمنيون عرض الصلح من الأدارسة، الذين حملوا على توقيع معاهدة الحماية.. مع الملك عبد العزيز عام 1926.
وفي 1933، نقض الأدارسة حلفهم مع ابن سعود، وتحالفوا مع إمام اليمن.. فاتجه عبد العزيز إلى المواجهة، واستهداف المملكة المتوكلية اليمنية وجيزان؛ لأنها لم تكن محميات بريطانية، وقامت الحرب الخاطفة التي استمرت من مارس إلى مايو 1934، وانتهت بتوقيع اتفاقية الطائف.. عقب سيطرة ابن سعود على مائة كيلومتر بعد ساحل صبيا.
ورغم أن الإنجليز توقعوا أن يتمدد السعوديون، ويستولوا على المملكة اليمنية – مثلما فعلوا مع مملكة الحجاز – لكن عبد العزيز بن سعود أدرك بفطنته.. أن إمام اليمن يحاول استدراجه نحو المرتفعات الجبلية الزيدية، وخشى عبد العزيز أن توغله.. قد يتيح الفرصة لتمرد جديد عليه.. من الإخوان – الاسم الحقيقي والتاريخي للحركة الوهابية – ولافتقار قواته للخبرة في المعارك الجبلية، وخوفه من دعم إيطالي مرتقب للإمام يحيى.
وفي 1974 طلبت السعودية اعتماد الحدود نهائياً، ووافق وزير الخارجية اليمني آنذاك، إلا أنه قوبل برفْض سياسي وشعبي.. ولكن تم اعتماد الحدود بعد اتفاق 13 يوليو عام 2000.
وللأمانة، فقد اعتمدت في تلك السطور.. على مواقع في الشبكة العنكبوتية.
نقلاً عن «المصري اليوم»