عبدالله عبدالسلام
«كان لديه وهمٌ واحد.. هو فرنسا، وخيبة أمل واحدة.. من البشرية جميعها؛ بما في ذلك الفرنسيون».. هكذا وصف جون ماينارد كينز – المفكر الاقتصادي الإنجليزي الأشهر – رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو.. الذي قاد بلاده في الحرب العالمية الأولى. كانت لدى كليمنصو.. توقعات كبيرة من بلاده، وآمال أكبر من البشر آنذاك، لكن تبيَّن أن كل ذلك.. لم يكن سوى أضغاث أحلام.
العالم العربي يمر حالياً.. بتلك اللحظة. العام الذي نودعه.. هو لحظة الحقيقة. ظهر العرب في حالة انسحاق وعجز، كما لم يحدث منذ غزو العراق عام 2003. في المقابل، وقف العالم يتفرج، لا يفعل شيئاً.. سوى الاستياء، والتنديد بما تفعله إسرائيل.. بدعم أمريكي صريح.
لم يكن 2025 – والعام الذي سبقه – مجرد أعوام انتقالية، بل مفصلية. إنه نقطة مركزية كبرى في التاريخ العربي الحديث؛ مثل 1948، و1967، و1973، و2003. لا يجب أبداً الاحتفاء به.. على أنه – فقط – العام الذي شهد نهاية للعدوان الإسرائيلي على غزة.
إسرائيل أرست خلاله.. وقائع كارثية، سيظل العرب يعانون منها سنوات طويلة قادمة. لن يعود الشرق الأوسط.. كما كان. الآثار والتداعيات الزلزالية – التي حدثت – ستظل محسوسة لأجيال وأجيال.
كشف حساب 2025، يتضمَّن تدمير غزة بالكامل، واستشهاد 67 ألف فلسطيني، وبداية تقسيم إسرائيلي فعلي للقطاع.
والأخطر، هو الشروع حالياً.. في إجبار أبناء القطاع على النزوح.. من خلال عصابات تدعمها إسرائيل. القتال تراجعت وتيرته، لكن القتل والاغتيال مستمران؛ كل ذلك يحدث في ظل اتفاق وقف النار.
خلال العام أيضاً، هاجمت إسرائيل.. لبنان وسوريا واليمن وقطر. أنهت مقاومة حزب الله، واغتالت زعماءه. فرضت التقسيم الفعلي على سوريا. يكفي أن القادة السوريين الجدد.. تنازلوا طوعاً عن الجولان المحتل، قائلين إنه لم يعد ضمن التراب السوري. إنها « الواقعية» العربية الجديدة.
حرب الاثني عشر يوماً (يونيو الماضي) على إيران.. أخرجت رأس « المقاومة» من المعادلة الإقليمية. واشنطن تكفلت بإعطاب المفاعلات النووية الإيرانية. ومع ذلك، فإن القادم أخطر مع الحديث عن هجوم إسرائيلي جديد على إيران.
في مقابل كل ذلك، كان الوهم العربي هو البطل! رد الفعل السياسي والدبلوماسي – وليس أي شيء آخر – كان أدنى من التوقف أمامه. فعلت إسرائيل ما أرادت، دون أن تُحرك مؤسسات العمل العربي ساكناً.
على العكس، حديث التطبيع والانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية.. يغطي الآن على جرائم إسرائيل المتواصلة على الأرض. في العام الجديد، سيكون التطبيع في مقدمة أجندة ترامب.. الذي صرَّح بأن: «إسرائيل فقدت خلال الحرب معظم الدعم العالمي، وسأستعيد كل هذا الدعم».
… الوهم العربي.. لم يتوقف عند ذلك. هناك من يتحدث عن أن عدوان غزة.. أوقف مسيرة التحول «السلمي» والتعاون الإقليمي، وقد آن الأوان لاستئناف المسيرة.
… هؤلاء لا يمنعهم، سوى وجود حكومة نتنياهو المتطرفة في الحكم. يتمنون أن تُسفر انتخابات العام الجديد عن ائتلاف حكومي.. لا مكان فيه لنتنياهو. إنه وهمٌ آخر.
… هناك إجماع إسرائيلي.. على رفض الدولة الفلسطينية، ونزع سلاح سوريا ولبنان، وعدم العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر 2023.
… كم عمر الوهم العربي؟.
نقلاً عن «المصري اليوم»