د. أحمد زكريا الشلق
لعلنا نُسلم بأن تاريخ الحضارة هو تاريخ الإنسانية في شتى صورها ونشاطاتها وإنجازاتها، كما أنه تاريخ صراع الإنسان على الأرض من أجل حياة أفضل وأكثر رقياً وسعادة، كذلك فإن تاريخ الحضارة يعني وصف أنماط ما وهب من إدراك عقلي وقدرات، أو يكتسبها من الوسط الذي يعيش فيه. ونماذج الحياة الإنسانية التي ابتدعها الإنسان وورثتها الأجيال المتعاقبة، وزادت عليها، أو أنقصت منها، وهذه النماذج تتناول الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية واللغوية والدينية والقضائية… إلخ.
وهي نماذج لا يولد الإنسان مزوداً بها وإنما يبتدعها ويخترعها بفضل، وكلمة «حضارة» لها معانٍ كثيرة في اللغة والكتابة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وليس ثمة معنى محدد لهذا اللفظ، وعموماً فإن كلمة حضارة Civilization مأخوذة في اللغات الأوروبية عن اللفظ اللاتيني Civitas أي المدنية، ومأخوذة في اللغة العربية من «الحضر» أي المدنية وهي عكس البداوة، ومن ثم يقال إن الحياة الحضرية تعني الحياة المدنية، وقد نضيف إلى ذلك لإبراز المعنى بأن الحضارة.. هي الإقامة في الحضر أو الحواضر، والحاضرة هي المدينة التي يقيم فيها رجال الحكومة عادة.
ولا تختلف هذه الكلمة كثيراً عن كلمة أخرى نتصور أنها مغايرة لها في المعنى، وهي كلمة «مدنية»، ذلك أن المدنية تعني الحضارة واتساع العمران، وكلمة «تمدَّن» تعني عاش حياة أهل المدن وأخذ بأسباب الحضارة. و«التحضر» يعني الانتقال من حياة الريف أو البداوة إلى حياة الحضر، أي المعيشة في المدن Urbanism، وهذا الانتقال قد يكون بسبب الهجرة؛ حيث يتعين على المهاجرين التكيف مع النظم والقيم السائدة في المدينة، وقد يكون بسبب اتساع نطاق المدن وانتقال أساليب الحياة فيها إلى المناطق الريفية أو البادية. ويدل مصطلح «تحضير» Urbanisation.. على تحويل المناطق الريفية؛ بإدخال أشكال الحياة الحضرية إليها من البناء، وتنظيم أساليب الإنتاج، وأنواع النشاط وأساليب الحياة اليومية، أو بتأسيس المشروعات، وبروز أحياء سكنية ومراكز تجارية ومنشآت إدارية وتعليمية وترفيهية، أو إدخال وسائل تقنية واقتصادية تؤدي إلى النمو الحضري، وتغيير المجتمع تغييراً جذرياً.
وقد استقر معنى كلمة حضارة في أذهان الناس، وفي اللغات المعروفة.. على أنها تعني «التقدم». والشعب المتحضر.. شعب متقدم في نظمه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية… إلخ. وكان يُنظر إلى حياة المدينة.. على أنها «أرقى» من حياة الريف أو البداوة. ومن هنا، كان «ابن خلدون» يرى أن المجتمع.. وهو يتطور، ينتقل من حالة البداوة إلى حالة الملك، فحالة الحضارة، ثم حالة الاضمحلال، فالفناء.
ويلاحظ أن هذا الحكم على الحضارة.. بأنها الرقي، قد برز في أوروبا – خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر – نتيجة سيادة نظريات التطور، خاصة في المجال البيولوجي، التي صورت نشوء الجماعات المختلفة وارتقاءها؛ من أصناف بسيطة إلى أصناف معقدة أو راقية، وكذلك نتيجة ظهور نظريات في فلسفة التاريخ، يرى أنصارها أن التطور العام للإنسانية، يسير في «تقدم» مستمر.. نحو تحقيق سعادة الإنسان، علاوة على أن اتصال الأوروبيين بالشعوب الأمريكية.. (قبل ظهور الولايات المتحدة) والآسيوية والإفريقية، أدى إلى نظرتهم إلى مجتمعاتها.. باعتبارها بدائية أو متأخرة، بالنسبة لما عليه الحضارة الأوروبية من تقدم ورقي. ومن هنا نظر العلماء الأوروبيون إلى الحضارة.. على أنها «مجموعة من القيم أو النماذج أو المعايير، تحققها الإنسانية في تطورها نحو التقدم والرقي».
وثمة ارتباط بين الحضارة والثقافة، أدى إلى نقاش بين العلماء.. يقتضي منا أن نتعرض له؛ فالأصل اللاتيني لكلمة ثقافة Culture، يحمل معنى التثقيف والدرس، ومن ثم فإن الجانب الروحي هنا ..أقوى من الجانب المادي للكلمة Cultura – التي أتت من الفعل Colere، بمعنى يزرع أو يعظِّم ويحترم – أو القيام بطقوس الدين. وكلمة حضارة Civilization.. التي أتت من كلمة Civilitas، التي أتت بدورها من كلمة Civis.. بمعنى المواطن، تدل على الحالة «الاصطناعية».. التي هي ضد الحالة الطبيعية.
ويلاحظ أن بعض الكتاب يترجمون كلمة Culture بالحضارة، وكلمة Civilization بالمدنية، إلا أن ترجمة الأولى بالثقافة.. أفضل وأدق، وترجمة الثانية بالحضارة.. أفضل وأدق. أما كلمة «المدنية»، فهي من الفعل مَدَن – أي أقام – فالمدينة في الأصل.. مكان يقيم فيه الناس، ومنها أن الإنسان مدني، أي لا يعيش إلا مع أناس؛ ومن ثم فالكلمة لم تكتسب معنى الحضر.. إلا في وقت متأخر تقريباً.
وفي تحديده لمفهوم الحضارة، يذكر «معجم العلوم الاجتماعية».. أنه يمكن حصر الاجتهادات المختلفة بشأن الكلمة في مفهومين؛ أولهما: يصوّر الحضارة على أنها شكل من أشكال الثقافة، وفي إطار هذا المفهوم.. هناك من يستخدم كلمتي «حضارة» و«ثقافة»، باعتبارهما معنى واحداً. وأن الحضارة هي الثقافة.. حين تبلغ الثقافة درجة من التعقيد، وتتميز بخصائص معينة. وأن الحضارة هي الثقافة.. عندما تصل إلى درجة واضحة من الرقي، بحيث يمكن قياسها بمقاييس خاصة. ثانيهما: أن الحضارة مفهوم مقابل للثقافة: فتنصرف الثقافة إلى الأفكار والمبتدعات الإنسانية.. المتعلقة بالأساطير والدين والفن والأدب، بينما تنصرف الحضارة إلى المخترعات الإنشائية.. المتعلقة بمجال العلوم المادية والتكنولوجيا.
ويلاحظ أن علماء الإنثروبولوجيا الثقافية، وعلماء الاجتماع الأوائل.. يساوون الثقافة بالحضارة، ويرون أنها ذلك الكل المعقد – الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات وأي قدرات يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع – ويرون أن كلمة حضارة.. تدل على الحضارة والثقافة معاً، وأن ظواهرها تنتشر في عدة مجتمعات، وتتطور عبر فترات تاريخية واسعة.. تتعدى تاريخ مجتمع بذاته.
نقلاً عن «الأهرام»