عبدالله عبدالسلام
حتى وصول ترامب للرئاسة أول مرة 2016، كان سياسيون غربيون – خاصة من أحزاب اليمين – يمارسون السياسة على طريقة «سي السيد».. الشخصية الرئيسية في ثلاثية الروائي العبقري الراحل نجيب محفوظ.
في العلن، يتحدثون عن الفضيلة والصدق واحترام الآخر.. وخاصة المرأة والأقليات من غير البيض. لكن في الخفاء.. يقوِّضون هذه القيم، ويتحدثون بعنصرية واحتقار عن الملونين والنساء. ومثل «سي السيد» أيضاً، لم تخلُ حياتهم الخاصة من أفعال شائنة، وممارسات غير محترمة.. لا يتم الكشف عنها. كانت هناك فجوة عميقة بين الحياة الخاصة لهؤلاء الزعماء وبين الواقع، لكن غالبيتهم حرص على الظهور في الحياة العامة.. بصورة تحترم المجتمع ومكوناته وقوانينه.
أنهى ترامب – خاصة مع رئاسته الثانية – هذا الانفصام بين السر والعلن. ما يؤمن به من أفكار عنصرية، واحتقار للشعوب غير البيضاء، وكراهية للنساء، ورغبة في السيطرة على ثروات الآخرين.. لم يعُد كلاماً يقال في غرف مغلقة، بل في خطابات أمام الجماهير، ومؤتمرات صحفية، وعلى السوشيال ميديا.
روث ووداك – أستاذة اللغويات والخطاب في جامعة لانكستر البريطانية – قالت إن سياسات الرذيلة تلك.. موجودة منذ زمن طويل. السياسي النمساوي المتطرف يورج هايدر.. استخدمها أوائل التسعينيات ضد المهاجرين المسلمين. الرئيس الأمريكي ريجان في الثمانينيات.. ربط بين الاحتيال للحصول على أموال الرعاية الاجتماعية وبين السود. السياسي البريطاني المحافظ إينوك باول.. حذر أوائل السبعينيات من أنهار من الدماء بسبب المهاجرين. لكن هذه التصريحات.. كانت الاستثناء، وليس القاعدة. كما أن رد الفعل السياسي والشعبي ضدها.. كان قوياً. «باول» انتهت حياته السياسية.. نتيجة تصريحه.
الآن، هناك تفاخر بين السياسيين الذين يؤمنون بهذه الأفكار، ويستخدمون اللغة ذاتها.. بل أسوأ منها. عندما يشبّه «ترامب»، أوباما وزوجته – في فيديو بثه على منصته – بالقرود.. ثم لا يعتذر، فإنه يتباهى بالرذيلة.
الرذيلة لا تعني فقط الأمور الجنسية، بل كل ما هو ضد الأخلاقيات والقيم.
وعندما يتعمد التحقير من شأن الصحفيات الأمريكيات، وينعتهن بالجهل والغباء. فهذا معاداة واضحة للنساء. المفارقة أن هناك من يسيرون على نفس طريقه.
نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني المرشح للإطاحة بالحزبين الرئيسيين (العمال والمحافظون) في أي انتخابات مقبلة، يستخدم لغة أسوأ من لغة ترامب ضد المهاجرين والنساء والآخر.
الكاتبة الصحفية البريطانية زوي ويليامز، تتهم الإعلام بالمساهمة في الترويج للرذيلة.. بنشر مثل هذه التصريحات، والمبالغة في التركيز على قائليها. وسائل الإعلام التقليدية.. تتنافس مع منصات التواصل والمواقع الإلكترونية غير المهذبة، من أجل الحصول على نقرات و«ترافيك». الإعلام اليميني يعتبر هذه التصريحات عادية؛ بل شجاعة، وانعكاساً لما يؤمن به المواطنون.
الخطورة – كما تقول روث ووداك – أن الناس تعتاد هذا النوع من الخطاب السياسي، ولا تنظر إلى أصحابه.. باعتبارهم خارجين عن القيم والعادات والقوانين.
قبل عقود، كان الكذب الصريح يقضي على مستقبل السياسي.. الآن، يبني ترامب رئاسته بالكامل.. على الكذب والرذيلة.
ترامب وأمثاله.. اقتربوا من «السياج الكهربائي»، الذي يعاقب مَن يخرج عن قيم المجتمع، لكنهم وجدوا السياج لا يُكهرِب؛ لذا لن يتوقفوا عن ممارسة الرذيلة.
نقلاً عن «المصري اليوم»