نشأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في أوساط الجالية الكوبية في ميامي، حيث كبر وهو يحلم بسقوط الشيوعيين في هافانا. ومنذ دخوله عالم السياسة، كرّس نفسه لمواجهة اليسار في أميركا اللاتينية.
ومع إطاحة الجيش الأمريكي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله، يعيش روبيو نشوة الانتصار، لكن هذه النتيجة لم تأت إلا بعد تنازلات دفعت كثيرين إلى التساؤل عمّا حلّ بروبيو القديم.
وسيحظى روبيو، أول وزير خارجية أميركي من أصول لاتينية، بدور مميّز في رسم ملامح مستقبل فنزويلا الغنية بالنفط، بعدما أشار الرئيس دونالد ترامب إلى أن روبيو وغيره من الشخصيات في الإدارة الأميركية سيتّخذون القرارات المرتبطة بكراكاس.
ووصف روبيو على مدى سنوات مادورو بأنه غير شرعي. وعندما كان سناتورا في 2023، طالب بفرض مزيد من العقوبات على فنزويلا ودعا إلى “منح أولوية للانتقال الديموقراطي للسلطة”.
والآن، قال روبيو إنه “ما زال من المبكر” الحديث عن انتخابات. في الأثناء، همّش ترامب زعيمة المعارضة المدافعة عن الديموقراطية ماريا كورينا ماتشادو الحائزة جائزة نوبل للسلام التي كان يطمح إليها، واختار التعاون مع ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولت الرئاسة، طالما أنها تستجيب لمطالبه بما في ذلك السماح بعمل شركات النفط الأميركية في البلاد.
وقال الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل في فنزويلا بريت بروين “لا أعتقد بأن هذا هو روبيو الحقيقي. هذا روبيو الواقعية السياسية”.
وأضاف “إنه يرى فرصة ويسعى للتخلي عن بعض مواقفه بشأن حقوق الإنسان والديموقراطية ودور أميركا كضامن للاستقرار العالمي، سعيا لمكافأة تتمثل في إطاحة مادورو وفي نهاية المطاف، وضع حد للسيطرة الشيوعية على كوبا”.
وتزود فنزويلا كوبا بنصف احتياجاتها النفطية تقريبا.
وبعد ساعات على سقوط مادورو، قال روبيو “لو أنني أعيش في هافانا وكنت ضمن الحكومة، لشعرت بالقلق ولو بعض الشيء”.
– من شخص “طبيعي” إلى مسؤول أولويته ترامب –
عندما رشّح الرئيس الأميركي روبيو لتولي حقيبة الخارجية، أثار الأمر استهجانا ضمن صفوف حركة “ماغا” MAGA المؤيدة لترامب والتي تحمل شعاره الانتخابي “لنجعل أميركا عظيمة من جديد”.
وتنافس كلاهما في 2016 للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة، فسخر ترامب حينذاك من “ماركو الصغير” الذي سخر بدوره أيضا من ترامب.
لكن يبدو أنهما قاما بطي صفحة هذا الخلاف إذ وقف روبيو بولاء إلى جانب ترامب وتولى كذلك منصب مستشار الأمن القومي، ليكون أول شخص يشغل هذين المنصبين الرئيسيين المرتبطين بالسياسة الخارجية منذ هنري كيسنجر.
يعني ذلك أن روبيو يقضي الجزء الأكبر من وقته في البيت الأبيض مع ترامب بدلا من الانتقال من دولة لأخرى كما فعل العديد من وزراء الخارجية السابقين.
وتحوّل وجه روبيو المتجهّم إلى مادة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر في 28 شباط/فبراير وكأنه يغرق في أريكة في البيت الأبيض، بينما هاجم ترامب ونائبه جاي دي فانس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، المعتمد على الدعم الأميركي في نزاع بلاده مع روسيا.
وقال دبلوماسي من دولة حليفة للولايات المتحدة اشترط عدم الكشف عن هويته “كنا نفكر في روبيو كالشخص +الطبيعي+ في الإدارة الذي يمكننا التحدّث إليه.. لكن بالتأكيد من الواضح أن الأولوية بالنسبة له هو ترامب”.
الهجرة
وخلال فترة 14 عاما قضاها سناتورا، حظي روبيو بالمجمل بمحبة زملائه الذين أجمعوا على تثبيته في منصب وزير الخارجية، وهو أمر نادر لا سيما في ظل الاستقطاب الحالي.
ولمع نجمه مذاك في أوساط أنصار “ماغا” لا بفضل نشاطه الدبلوماسي على الصعيد الخارجي، بل بسبب مسارعته في إلغاء تأشيرات آلاف الأجانب، بمن فيهم طلاب تظاهروا ضد إسرائيل.
وأعرب بعض الديموقراطيين مذاك عن ندمهم على التصويت لصالحه.
ولدى سؤاله عن هذه الانتقادات أثناء مؤتمر صحافي لمناسبة نهاية العام أجاب خلاله على 46 سؤالا، قال روبيو إن اختلاف وزير الخارجية مع الرئيس هو أمر “غبي حقا”.
لكن نبرة ترامب الفظّة ما زالت تؤثر على روبيو القديم إذ أن والدي وزير الخارجية الأميركي البالغ 54 عاما كانا مهاجرين انتقلا إلى الولايات المتحدة هربا من نظام فيدل كاسترو في كوبا.
وفي سيرته الذاتية بعنوان “الابن الأميركي” American Son الصادرة عام 2012، كتب روبيو “لا يمكنني تحمّل سماع المهاجرين يوصَفون بعبارات تليق لوصف سرب من الجراد أكثر منها للحديث عن بشر”.
وهو يتحدّر من عائلة “شعرت بألم عميق لخسارة بلدها”، على حد قوله. ويضيف “لا يمكنهم العودة إلى كوبا طالما أن كاسترو في السلطة. جعلهم ذلك منفيين في قلوبهم وينتابني الشعور ذاته”.