أحمد الجمال
كتبت هذه السطور.. مساء الاثنين 28 شعبان 1447هـ/ 16 فبراير 2026، ولم أكن أعرف.. هل تنشر صباح أول رمضان أم صباح ختام شعبان، وعلى أية حال دعوت للجميع.. كل عام ومصر بخير.. الأقباط المسيحيون والأقباط المسلمون والأقباط من غير الملتين، والآخرون الذين يفضلون عدم الانتساب لدين أو مذهب!
وقد انتويت أن أبحر في رمضان.. على صفحات نهر تاريخي عظيم، هو «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، الذي ألّفه محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، وحققها وكتب لها المقدمة العلامة المؤرخ محمد مصطفى، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1928.
جاءت تلك النية لهذا التوجه، لأحاول التغلب بها على رغبة محتدمة في ذهني.. للكتابة عما يعانيه كثيرون – أنا منهم – من تعمد إشاعة صخب مكبرات الصوت في الشهر الكريم؛ الذي يفترض أنه مناسبة هدوء نفسي، وتأمل عقلي وتركيز.. في أن تتحول الشعائر إلى رياضة روحية عميقة، بعيداً عن التعامل مع الخالق – سبحانه وتعالى وجل شأنه – بمنطق حسابات البقالة.
ومما نتوقع أن نعانيه، هو ما سيترتب على ما أشيع أنه قرار من وزير الأوقاف.. بإباحة بث القرآن الكريم والصلوات من ميكروفونات المساجد.. عند المغرب وعند الفجر، وما في ذلك من استباحة فجّة لأحكام الشريعة وللقانون العام وللأعراف الإنسانية. وهذا أمر يطول شرحه. ومهما كتبنا وقدمنا الأدلة والبراهين، فإن الأمر لن يتغير؛ لأننا إزاء عقلية.. تعتقد أن ما تقرره هو الدين الصحيح، وهو المتكفل بدخولهم الجنة.
وأعود إلى بدائع الزهور ومؤلفه ومحققه، والسادة الخواجات العلماء الأوروبيين، الذين ساهموا – بقدر كبير – في اكتشاف المخطوطة، وفي توجيه محققها المصري الوجهة الصحيحة علمياً، ومنهم أستاذه المرحوم الدكتور «باول كاله»، والمرحوم الأستاذ الدكتور «هانس روبرت دومر»، والدكتور بيتر باخمان، والدكتور «جريجور شيلر» والدكتورة «روتراود فيلادنت».. وقد حرصت على ذكر أسمائهم – التي ذكرها المحقق في مقدمته – لأؤكد أن العلم والبحث العلمي.. يكفل تضافر الجهود لإنجاز المهام العلمية، دون توقف أمام جنسيات أو أديان أو مشارب سياسية.
وفي الجزء الأول، يذكر ابن إياس.. أن سنة 175 هجرية، وكانت مصر تحت ولاية الوالي العباسي الأمير إبراهيم بن عبد الملك بن صالح العباس، شهدت وفاة الإمام الليث بن سعد، (مات يوم الجمعة الرابع عشر من شعبان من تلك السنة، ودفن بالقرافة الكبرى)، وقد ورد تعريف بالليث عند ابن سعد، إذ قال: «هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ولد بقلقشندة – قرية تابعة الآن لمركز طوخ قليوبية – سنة أربعة وتسعين هجرية»، وقال عنه الإمام الشافعي: «كان الليث أفقه من الإمام مالك – رضي الله عنهما – وكان قد اشتغل بالفتوى في زمانه بمصر، وكان في سعة من المال، سخياً به»، وقال يحيى بن بكير: «ما رأيت أفقه من الليث بن سعد.. كان ثقة في الحديث، نحوي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الأحاديث الكثيرة، حسن المذاكرة، رقيق الشعر في المحاضرة، إلا أن أصحابه ضيّعوه، لم يكتبوا عنه شيئاً»، وقال ابن خلكان في تاريخه: «لما مات الليث سمع قائل يقول في تلك الليلة ذهب الليث فلا ليث لكم، ومضى العلم غريباً وقبر».
وفي كتاب «المستجاد من فعلات الأجواد» لعبد المحسن التنوخي أن الخليفة هارون الرشيد بعث بخمسمائة دينار.. إلى الإمام مالك في المدينة المنورة، فلما بلغ الليث بن سعد ذلك، بعث للإمام مالك بألف دينار. وصل الخبر للخليفة الرشيد، فغضب على الليث، وأرسل يقول له: «بعثت أنا إلى الإمام مالك خمسمائة دينار، فتبعث له أنت ألف دينار.. وأنت واحد من رعيتي؟». فأرسل الليث بن سعد المصري يقول له: «يا أمير المؤمنين إن لي في كل يوم من متحصل غلالي ومتجري ألف دينار، فاستحييت أن أقابل مثل هذا الرجل.. بأقل من متحصل يوم واحد»!
ثم يكمل ابن إياس كلامه عن الإمام الليث: «وكان الليث – مع وجود هذه السعة الزائدة – ما يحول عليه الحول ومعه مال.. يجب عليه زكاته، وكان يهبه للفقراء والعلماء وغير ذلك من الناس، فكان سعيد الدنيا والآخرة.. كما قيل:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل»
ويقول ابن الجمال – الذي هو العبد لله – «إن من وراء تفوق الإمام الليث ابن قلقشندة فقهياً على الإمام مالك.. سبباً ربما أكتب عنه فيما بعد، وهو مرتبط باستمرار وجود أقباط مسيحيين في مصر.. بعد دخول العرب والإسلام».
ثم أقول: ما أعظم الدرس الذي لقّنه الليث لهارون الرشيد.. ولفقهائنا المعاصرين.
نقلاً عن «المصري اليوم»