تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

رؤية لمستقبل اليمن «1-2»

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

يقولون إن الاعتراف بالتحيز.. هو أولى خطوات الموضوعية، وها أنذا أعترف بتحيزي لليمن؛ فقد عشت فيه – وأسرتي الصغيرة – أربعاً من أجمل سنوات عمري.. أستاذاً بجامعة صنعاء، في ثمانينيات القرن الماضي. واستمرت علاقتي بشعبه – وبالذات.. عبر القنوات التعليمية والإعلامية، حتى الآن. كذلك أعترف بتحيزي للشرعية اليمنية.. لأسباب مفهومة، وإن كان هذا لا يمنعني من إبداء ملاحظات على أدائها، وأرجو أن يتسع صدر الجميع لمحتوى هذا المقال. 

فقد عانى اليمن في تاريخه.. عدم استقرار ظاهر؛ أبدأ تتبعه من حكم الإمام يحيى حميد الدين (1904-1948). ورغم ما يوحى به طول المدة من استقرار، فإن استبداد نظامه.. أدى إلى واحدة من أولى حركات المعارضة العنيفة في الوطن العربي، وهي حركة 1948 التي – وإن نجحت في اغتيال الإمام – فشلت في اقتلاع نظامه، وكان من شأن نجاحها، أن تحول نظام الحكم في اليمن.. إلى ملكية دستورية. 

ثم تكررت المحاولة بانقلاب 1955.. الذي فشل بدوره، إلى أن نجحت ثورة سبتمبر 1962.. التي لعبت مصر دوراً رئيسياً في الدفاع عنها، إلى أن انسحبت القوات المصرية بعد هزيمة 1967 – في ديسمبر من نفس العام – متعمدة البقاء.. حتى تم جلاء قوات الاحتلال البريطاني من جنوب اليمن في شهر نوفمبر من ذلك العام. وحاولت بقايا النظام الإمامي إجهاض الثورة.. بحصار صنعاء، بعد رحيل القوات المصرية. لكن الثورة كانت قد ترسخت، فصمدت حتى تم التوصل لتسوية سياسية عام 1970، حافظت على الجمهورية، وإن أدخلت بعض المنتمين للنظام الإمامي كأفراد.. من خارج الأسرة الحاكمة. وبعدها عانى اليمن عدم استقرار غير مسبوق؛ بدأ باستقالة المجلس الرئاسي، وتولي المقدم إبراهيم الحمدي – نائب القائد العام للقوات المسلحة – السلطة.. عبر انقلاب عسكري أبيض في 13 يونيو 1974. وتميز حكمه بمحاولة بناء دولة حديثة في اليمن، وتوحيد شطريه إلى أن تم اغتياله 1977.. بتحالف بين خصوم مشروعه في الداخل والخارج. وفي السنة التالية (1978)، تم اغتيال خليفته المقدم أحمد الغشمي.. (وكان أحد المتهمين بالتواطؤ في اغتيال الحمدي)، وبدا اليمن على شفا حفرة من النار. 

في هذه الظروف، صَوَّت مجلس الشعب – في يوليو 1978 – لانتخاب القائد العسكري القوي علي عبدالله صالح.. رئيساً، الذي أظهر حنكة سياسية، جعلته يحقق توافقاً وطنياً، وإنجازات تنموية، ناهيك ببناء جيش قوي، وتحقيق الوحدة بين شطري اليمن عام 1990، وبدأ استخراج النفط في عهده، غير أن نظامه عانى منذ بداية.. من طابع عائلي مفرط، ولاحقاً.. من درجة فساد عالية؛ الأمر الذي أفضى إلى وجود معارضة داخلية قوية، بالإضافة إلى المشكلات التي ترتبت على تداعيات المحاولة الجنوبية للانفصال 1994، وحركة الحوثيين في صعدة في العقد الأول من القرن الحالي. 

ولذلك كان سهلاً تفجر الانتفاضة الشعبية في فبراير 2011.. بمجرد اشتعال الشرارة في تونس ومصر. وكانت الانتفاضة قوية، كما كان نظام صالح قريباً كذلك، وهنا تدخلت السعودية؛ بما عُرِف بالمبادرة الخليجية.. التي تنازل صالح بموجبها عن السلطة، لنائبه عبد ربه منصور هادي.. في مقابل عدم مساءلة صالح، واستمرار نشاطه السياسي. وقد رعى رئيس الجمهورية الجديد مؤتمراً للحوار الوطني، انتهى إلى قرارات مهمة لمستقبل اليمن؛ لعل أهمها تحويل الدولة اليمنية إلى دولة اتحادية، لتحقيق توازن أفضل بين الشمال والجنوب، والتوصل لتسوية مُرضية لمشكلة الحوثيين، وتشكيل لجنة لوضع دستور يعكس مقررات مؤتمر الحوار الوطني، ومع انتهاء اللجنة من عملها.. وقع الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014، وتوقف المسار الديمقراطي للتغيير.

وقد تمكن الرئيس الشرعي هادي.. من الإفلات من احتجازه في صنعاء. وفي الوقت نفسه، بدأ الحوثيون محاولة مد سيطرتهم.. لتشمل عموم اليمن، فاستغاث بمجلس التعاون الخليجي، ومن هنا ظهر التحالف العربي – بقيادة السعودية – لدعم الشرعية في اليمن. وبدأت في مارس 2015 عملية «عاصفة الحزم».. التي لم تنجح في إعادة الحكومة الشرعية لصنعاء، وإن أوقفت تمدد الحوثيين. ثم حدثت حالة من التجمد (أو الانسداد) تُرْجِمَت إلى هدنة.. وُقِّعت بين الطرفين في أبريل 2022. ورغم أن مدتها كانت شهرين، فإنها امتدت من الناحية الفعلية سنوات، رغم بعض المناوشات هنا وهناك، إلى أن وقع التصعيد الأخير، الذي تمكن الحوثيون بموجبه.. من تحقيق تقدم استراتيجي خاطف في جبهة الساحل الغربي بالذات، شمل السيطرة على مدينة المخا الاستراتيجية، والوصول المباشر إلى مضيق باب المندب.. بالاستيلاء على جزيرة ميون. وقد ردت القوات الحكومية بمحاولة استعادة الأراضي التي فقدتها، وحديث عن عمليات حاسمة تنتهي بدخول صنعاء. 

وقد آن الأوان لفهم حقائق الصراع، وطرح رؤى بديلة.. في إطار التمسك بالشرعية اليمنية، وتتمثل الرؤية البديلة – التي يطرحها المقال – في ضرورة التركيز على بديل التسوية السياسية.. لاعتبارين رئيسيين؛ أولهما: عام، يتمثل فيما ثبت بخصوص عقم أسلوب الحسم العسكري للصراعات الداخلية، كما يبدو – لا فقط – في الحالة اليمنية، وإنما في حالات أخرى كالسودانية والليبية، وقبلهما حالة الحرب الأهلية اللبنانية.. التي دامت عقداً ونصف العقد؛ من منتصف سبعينيات القرن الماضي، وحتى نهاية ثمانينياته، وانتهت بتسوية. والحرب الأهلية السودانية.. التي دامت – تقريباً – من استقلال السودان في خمسينيات القرن الماضي، واستمرت حتى 2011.. حين أفضى استفتاء حق تقرير المصير، إلى انفصال الجنوب.
أما الاعتبار الثاني: فهو الخاص بالتكلفة الباهظة للبديل العسكري.. إنسانياً وعسكرياً، خاصة وقد نجح الحوثيون في بناء قوة.. صمدت لأكثر من اختبار؛ بما في ذلك في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. وليس معنى هذا.. أن طريق التسوية سهل ومفروش بالورود؛ فأمامه عقبات جمة، ويتطلب استعدادات صعبة، وهو بالمناسبة.. لا يعني إهمال العمل العسكري، وإنما يعني تغيير هدفه الاستراتيجي.. من الحسم بالسلاح، إلى توظيفه – ضمن أدوات أخرى – من أجل التوصل إلى تسوية، لا تستند إلى صفقة سياسية بين طرفين متحاربين، وإنما إلى مرجعية الشعب اليمني ككل.. كما سنرى في المقال المقبل بإذن الله.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة