Times of Egypt

حول خطورة الاستقطاب الطائفي

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

للحرب الإسرائيلية/الأمريكية مع إيران.. العديد من التداعيات السلبية، ويتوقَّف مقال اليوم حول أكثر هذه التداعيات خطورة، هو المتعلق بالاستقطاب الطائفي. صحيح أن الاستقطاب الطائفي سابق على الحرب الدائرة بسنوات طويلة، لكنه آخذ في التوسع والتصاعد. يجمع بين كل من لبنان والعراق وسوريا ارتفاع حدة الخطاب الطائفي.. الذي تفيض به وسائل التواصل الاجتماعي بين السنّة والشيعة. ويكفي أن نتابع الموقف من النازحين الشيعة من جنوب لبنان، ومن ضاحية بيروت الجنوبية.. إلى خارج مناطق التركُّز الشيعي، وكيف توضع العراقيل أمام تأجير المنازل لهم، دع عنك استضافتهم، وهذا الموقف بالذات يشترك فيه الموارنة مع السنّة.

تلقي هاتان الطائفتان على حزب الله بمسؤولية ما حاق – وما زال يحيق – بلبنان.. من تدمير؛ بحكم انتمائه للمحور الذي تتزَّعمه إيران، وانغماسه معها في صراعات.. لا تخص لبنان من قريب أو بعيد. بينما يعتز جمهور حزب الله – من الطائفة الشيعية – بدور الحزب في تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000، ويحاجج بأن الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، توالت دون رد من الحزب منذ نحو عامين، أما وقد اغتيل المرشد الإيراني – برمزيته الدينية الكبيرة – وأعاد الحزب ترميم صفوفه، فلقد وقع الانفجار.

ولا يبالغ المتابع لتطور الوضع الاجتماعي في لبنان، إن قال إنه على كثرة ما اقترب لبنان من الحرب الأهلية بعد انتهائها عام 1990، فإن اقترابه منها هذه المرة.. هو الأخطر على الإطلاق. ففي اللحظة الراهنة – التي يعاد فيها تشكيل التوازنات الإقليمية – يدافع الشيعة عن مكاسبهم السياسية.. المتراكمة منذ حرب 2006. أما الطائفتان المارونية والسنيّة، فإنهما تسعيان للاستفادة من تراجع المحور الإيراني.. لتحسين وضعهما. وتستفيد إسرائيل من هذا الشحن الطائفي، وتزيد في تأجيجه.. بالتوازي مع تمددها الجغرافي المتواصل في الجنوب اللبناني.

ومع انجرار العراق إلى الحرب الدائرة حالياً تجدَّد الاستقطاب الطائفي السنِّي-الشيعي، وهو الاستقطاب الجاهز للتجاوب مع أي محرِّك داخلي أو خارجي. وكان الحشد الشعبي قد تعرَّض لاستهداف إسرائيلي-أمريكي مباشر من اللحظة الأولى لاندلاع الحرب. وحملت محاولة الإنزال.. التي قامت بها قوة «مجهولة» في بادية النجف يوم 28 فبراير، مع انطلاق الهجوم على إيران، دلالات بالغة الخطورة.. من حيث المضمون، وبالغة الدلالة.. من حيث التوقيت. لم يتم تحديد هوية القوة التي حاولت النزول إلى أرض العراق، لكن تحديدها ليس صعباً. أما هدفها.. فقيل إنه كان زرع أجهزة تشويش على الرادارات العراقية.

تم إحباط عملية الإنزال، ثم توالت الهجمات ضد الحشد بوتيرة متسارعة. ودخل الحشد نفسه الحرب.. بعد اغتيال المرشد علي خامنئي، واستهدف عدة مصالح أمريكية، وتقاطعت هجماته.. مع هجمات إيرانية داخل إقليم كردستان العراقي وخارجه. 

من جانبهم، يرفض السنَّة الزجَّ بالعراق في هذه الحرب، ويتوافق موقفهم مع الموقف الرسمي العراقي، وقبل عدة أيام.. وجَّه رئيس مجلس القضاء الأعلى تحذيراً شديداً.. من عواقب استهداف مقار البعثات الدبلوماسية، بعد تكرار مهاجمة السفارة الأمريكية في بغداد.

لكن الحشد الشعبي والفصائل المسلحة خارجه لهم حساباتهم النابعة من العلاقة الخاصة مع إيران، ومن تكرار استهداف مقارهم. وفي مثل هذه البيئة المضطربة، يسهل استنفار المشاعر الطائفية، ويقترن استنفارها.. بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية لمختلف المكونات. وعلى المستوى الشخصي، أتابع – على مدى الأسابيع القليلة الماضية – بقلق شديد، كمية الڤيديوهات التي تشتغل على التعبئة الطائفية، وتعيد فتح ملفَّات قديمة جداً.. في أصل الاختلاف المذهبي بين السنَّة والشيعة.

أما سوريا، فمن الأصل ارتبط سقوط دمشق – في 8 ديسمبر 2024 – بنَفَس طائفي عالٍ.. بسبب الخلفية السنية المتطرفة للحكام الانتقاليين الجدد. وبالتالي، فإن البيئة جاهزة تماماً لاستنشاق الهواء الطائفي. ومع انتقال حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران.. إلى الأراضي اللبنانية، قوبل النازحون الشيعة من لبنان إلى سوريا.. بسيل من التعليقات الطائفية المقيتة. وهناك بعد المزيد.. من احتمالات تصعيد الخطاب الطائفي، وهو ما ينقلنا إلى النقطة التالية.

تتواتر الاتصالات بين كبار المسئولين السوريين واللبنانيين، وتترافق تلك الاتصالات مع حشد لقوات سورية على الحدود اللبنانية. والسبب المعلن لهذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية.. هو منع حزب الله من استخدام الأراضي اللبنانية، لتنفيذ عمليات هجومية ضد سوريا. ومن جانبه أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقوفه إلى جانب الدولة اللبنانية.. في تصميمها على نزع سلاح حزب الله. ومع أنه لا شيء – فيما هو معلن – يتضمَّن تحريك القوات السورية إلى داخل لبنان ومساعدة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله بالقوة ، إلا أنه عملياً.. لا يوجد ما يمنع ذلك لسببين؛ السبب الأول: هو أن الحكَّام الانتقاليين الجدد لسوريا، لهم ثأر قديم مع إيران وحزب الله، بسبب انغماسهما المباشر في الحرب السورية.

والسبب الثاني: هو أن مهمة من هذا النوع، سوف تحسَّن وضع سوريا في إطار خريطة الشرق الأوسط الجديد، سواء بحل المشاكل الحدودية المعلَّقة بينها وبين لبنان، أو بتثبيت دورها.. كرأس حربة ضد القوى التي تصنِّفها الإدارة الأمريكية إرهابية، وهذا يفتح مجالاً أوسع للتطبيع مع إسرائيل، ووقف استهدافاتها المتكرِّرة للعمق السوري. وعندما ننتقل لتأثير مثل هذه التطورات المحتملة على لبنان، سنجد أولاً أنها ستعمِّق الانقسام الطائفي السنِّي-الشيعي فيه.. أكثر فأكثر. وسنجد ثانياً.. أنها ستعيد اصطفاف حركة أمل مع حزب الله، بعد أن كانت لها تحفظاتها على مهاجمته إسرائيل.. عند اغتيال المرشد. وسنجد ثالثاً.. أنها ستستدعي إلى الأذهان.. عهد الوصاية السورية على لبنان، كما كان عليه الحال منذ 1976 وحتى 2005.. مع اختلاف جوهري؛ هو أن سوريا الجديدة لا علاقة لها بسوريا القديمة، لا من حيث التكوين الفكري، ولا من حيث نمط التحالفات الخارجية.

مثل كرة الثلج.. تتدحرج الطائفية المقيتة في منطقتنا العربية، وهذا التطور يُلزمنا جميعاً بالتوعية بخطورته الشديدة، فالطائفية السياسية هي الخطوة الأولى على طريق إشعال الصراع الداخلي، وتهديد وحدة التراب الوطني، وتعميق الاختراق الخارجي، والتاريخ القريب خير شاهد.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة