Times of Egypt

حتى لا يتسع الخرق

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

أعطي اهتماماً كبيراً للعلاقات الشعبية العربية.. من منطلق أن الأنظمة تتغير والشعوب هي الباقية. وعندما نتأمل ظاهرة التوتر في هذه العلاقات؛ نجد أنها إما كانت تنبع من المستوى الشعبي بشكل مباشر، وتنعكس أحياناً على المستوى الرسمي. وإما أنها كانت تعكس التوتر القائم بالفعل.. بين النظم العربية وتتفاعل معه.

وتُعتبر المشاحنات الرياضية هي المصدر الأساسي للتوتر المجتمعي.. النابع مباشرة من الشعوب العربية، وهناك قائمة طويلة من المناسبات الرياضية التي كانت تؤجج مشاعر التعصب الكروي لدى أطرافها؛ كما حدث في المباريات بين مصر والجزائر وبين تونس والمغرب وبين العراق والجزائر وبين مصر والمغرب.

كما نشبت مشاحنات شعبية أخرى.. على خلفية قضية العمالة الوافدة، ومن ذلك أحداث التوتر مع العمالة المصرية، عند عودة المجندين العراقيين لأعمالهم بعد انتهاء حرب الخليج الأولى. ومثل هذه التوترات كانت تلقي بظلالها أحياناً على العلاقات الرسمية العربية.

أما التوتر في العلاقات الرسمية العربية، الذي كان ينعكس على مستوى الشعوب؛ فمنه التوتر بين العراق والكويت، وبين سوريا ولبنان.. العابر للأنظمة. والتوتر بين المغرب والجزائر.. المستمر مع تغير قيادات الدولتين الجارتين. والتوتر المؤقت بين قطر من جهة.. والسعودية والإمارات والبحرين والكويت من جهة أخرى، في الفترة ما بين عامَي 2017 و2021.

وإذا حاولتُ تصنيف التوترات الطائفية – التي كتبتُ عنها مقالاً في السابق – أجد أنها تجمع ما بين توافر الأرضية الشعبية لها.. بحكم عدم توافر ثقافة قبول التنوع المذهبي والديني المميز للمجتمعات العربية، وبين كونها تعبر عن التأزم الذي تشهده بعض العلاقات العربية-العربية.. خصوصاً بعد الحرب مع إيران. وقبل ذلك، يجب ألا ننسى أن ورقة الأقليات.. كثيراً ما استُخدمت من الدول العربية ضد بعضها البعض.

وعندما نتوقف أمام هذه الظاهرة في الوقت الراهن، نلاحظ عليها أمرين أساسيين؛ الأمر الأول: هو أنها امتدت إلى بعض منظمات المجتمع المدني العربي، التي تمثل الأطر المؤسسية للعمل العربي المشترك على المستوى الشعبي. وفي هذا الإطار – وقبل بضعة أسابيع – شهدت واحدة من أعرق الجمعيات العلمية العربية، ومن أكثرها رصانة.. استقطاباً حاداً بين أعضائها، على وقع اختلافهم حول أولويات تهديد الأمن القومي العربي، وترتب على ذلك انسحاب البعض من الجمعية.

ومعنى ذلك، أن المنابر التي كان يمكن أن تساعد في توثيق الأواصر الشعبية العربية، قد تتحول هي نفسها إلى مصدر من مصادر الشقاق العربي. وبطبيعة الحال، يمكن القول إن منظمات المجتمع المدني العربي سبق لها أن شهدت أزمات بالغة الحدة؛ كما كان الحال مثلاً مع اتحاد المحامين العرب، واتحاد الصحفيين العرب.. في عقب توقيع مصر معاهدة سلام مع إسرائيل في نهاية السبعينيات. وهذا حدث بالفعل. 

لكن عندما نعقد مقارنة سريعة بين الماضي والحاضر، سنجد أنه – في نهاية السبعينيات – كان هناك اتجاه عربي عام رافض للخطوة المصرية، وبالتالي مورست ضغوط على عضوية مصر في الاتحادين، وكذلك التعاون النقابي مع مصر.. في مجالي المحاماة والصحافة. لكن الآن لا يوجد اتجاه عربي عام، بل اتجاهات مختلفة ومتناقضة؛ فمَن يرى أن المشكلة هي في القواعد العسكرية الأمريكية، ومَن يرى أن المشكلة تكمن في الهجمات الإيرانية.. على الأهداف المدنية والعسكرية لدول الخليج، ومَن يرى أن المشكلة تنبع من مخطط إسرائيلي مدروس ومحكم.. لإشاعة حالة من الفوضى، تنتهي برسم خريطة للشرق الأوسط الجديد.

الأمر الثاني: الذي يميز ظاهرة الخلافات الشعبية العربية، هو أنها لا ترتبط فقط بالتطورات السلبية في العلاقات الرسمية العربية، بل إنها تلتف حول التطورات الإيجابية في هذه العلاقات.. لتسفيهها وتسخيفها وإفسادها؛ وهو ما يؤكد ضرورة الالتفات إلى الدور الخارجي عموماً، والإسرائيلي خصوصاً، في بث الفتنة وإحداث الشقاق.

وبصفتي متابعة للشؤون العربية عن كثب، فاجأتني تلك الأصوات التي حاولت تشويه الزيارة الناجحة التي قام بها السيد عزيز أخنوش – رئيس وزراء المغرب إلى مصر – وما أسفرت عنه من توقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والشبابية والثقافية.. إلخ.

إذ قيل إن مثل هذا التعاون، لن يصب إلا في مصلحة مصر. وإن مستقبل المغرب مع أفريقيا؛ وكأن علاقة التعاون الثنائي تسير في اتجاه واحد، أو كأن مصر تقع في قارة أمريكا الشمالية. واتهم الموقف المصري من قضية الصحراء الغربية.. بأنه موقف مراوغ، لأن البيان الصادر عن الزيارة تبنَّى قرار مجلس الأمن رقم 2797، على الرغم من أن المملكة المغربية اعتبرت يوم صدور هذا القرار عيداً وطنياً للدولة.

وأثيرت نقطة اختلاف وجهات النظر.. حول بعض القضايا الخارجية، وكأنه يوجد تطابق تام في توجهات السياسة الخارجية لأي دولتين. وتقتضي الموضوعية.. القول بأن هذه النوعية من الأصوات النشاز، لا تمثل أكثرية، وأنها حين أفصحت عن نفسها على وسائل التواصل الاجتماعي، تم الرد عليها من الجانبين المغربي والمصري.. للترحيب بالتعاون بين الدولتين الشقيقتين، والتطلع إلى توسيع نطاقه. تماماً كما حدث مع التعليقات السلبية العجيبة.. حول قيام مصر باستيراد النفط الليبي، عبر التحذير من احتمال تخلف مصر عن سداد قيمة وارداتها، وهو سلوك غير معروف عن مصر.. في التعامل مع التزاماتها كافةً. لكن رغم محدودية هذه الأصوات والحملات، فإنه من المهم الانتباه لها وكشف أغراضها الخبيثة.

إن وأد مساعي بث الفُرقة بين الشعوب العربية، يُلقي على الحكومات العربية مسؤولية ضبط الأداء الإعلامي، والتصريحات التحريضية لبعض الشخصيات العامة البارزة واسعة التأثير، مع التسليم بأن الشق الخاص بضبط وسائل التواصل الاجتماعي.. يبقى هو الأصعب، لكن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله. كما أن هناك دوراً أساسياً يجب أن يلعبه المجتمع المدني العربي؛ ومن الأفكار المطروحة في هذا السياق، أن يقوم منبر ثقافي رصين، وليكن مكتبة الإسكندرية مثلاً، بتنظيم مؤتمر كبير.. تشارك فيه الرموز الثقافية والإعلامية والفنية العربية، وبعض رؤساء النقابات والروابط والاتحادات العربية.. لإدارة نقاش جاد وصريح حول سبل مواجهة مثل هذه الأزمة، بحيث يكون هذا المؤتمر فاتحةً لمجموعة من المؤتمرات.. تبحث الأمر نفسه، وتنعقد في عدة عواصم عربية بالتتابع.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة