نبيل عبدالفتاح
السرعة الفائقة في تفاصيل الحياة في عالمنا، لم تعد مقصورة على التطورات العلمية والتكنولوجية، واكتشافاتها المتتالية، وتدفقاتها السريعة وتغييرها لوجودنا، ولا في هيمنة الاستهلاك المكثف والسريع.. في نظام الأكل والشراب في كل مجتمع، ولأن الفجوات تتسع بين الأجيال، ما بين جيل Y، و z، وألفا، وهو ما سيتفاقم مع جيل بيتا.
السرعة الفائقة تحمل في ثناياها انكسارات وتآكلات وتفككات.. في منظومات القيم بين الأجيال، وإزاحات جيلية، وتفككاً في السرديات الوطنية، بل والسرديات الجزئية، والصراعات عليها وبها بين الأجيال المختلفة، داخل بعض المجتمعات الأكثر تطوراً، والدول المتوسطة، والقوميات، على الرغم من توظيف القوميات والأعراق – وثقافاتها المتعددة – في الصراعات الهوياتية والثقافية، من ترامب إلى اليمين المتشدد والمتطرف في أوروبا الغربية، وغيرها من المناطق الجيوسياسية في عالمنا.
تبدو السرعة الفائقة في إيقاعات الزمن وإدراكه، والتطور السريع في انكشاف بعض الفجوات في الأنظمة القانونية، وبين أنماط السلوك الاجتماعي المتغيرة.. في عديد المجالات، لأن القواعد القانونية الناظمة – موضوعياً وإجرائياً – وضعت في أزمنة.. كان تنميط السلوك الاجتماعي في عديد المجالات يبدو متبلوراً أمام المشرعين، ومعها المصالح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي يفرضون الحماية القانونية عليها.. لمصالح الطبقة السياسية المسيطرة، وبعض ظهيرها الاجتماعي!
إن نظرة على ما وراء أشكال العنف والجرائم والانفلات القيمي والسلوكي.. تكشف أن مرجعه عوامل وتغيرات عديدة، يمكن لنا رصد بعضها فيما يلي:
تفكك أنظمة التنشئة الاجتماعية التقليدية الموروثة وشبه المحدثة، من خلال نظام الأسرة، والمدرسة، وجماعة الرفاق، والانتماء الديني والمذهبي. ومرجع ذلك بدايات تفكك الأسر، من خلال ظاهرة ارتفاع معدلات الطلاق، أو الخلافات الأسرية بين الآباء والأمهات، وعدم الطلاق إلا لعلة الزنا – في المذهب الأرثوذكسي القبطي المصري – أو العلاقات المتزايدة خارج نظام الزواج، والأهم سعي الآباء والأمهات للعمل فى أكثر من جهة عمل.. سعياً وراء مواجهة متطلبات الحياة اليومية الضاغطة للأبناء، والوفاء بمتطلبات الدروس الخصوصية واحتياجاتهم المتزايدة، أو سفر الآباء للعمل في إقليم النفط، أو اللجوء من بعضهم إلى آليات الفساد الوظيفي.. لتحقيق متطلباتهم. وكلها أمور أثرت – ولا تزال تؤثر – على التماسك الأسري، وتنشئة الأبناء. من ناحية أخرى، تأثير جماعة الرفاق والأصدقاء على بعضهم بعضاً في أنماط سلوكية تجلت غير مألوفة.. من الأجيال الأكبر سناً، ومع ذلك انصاعوا لتحقيقها لأبنائهم !
أسهمت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي – في حلولها محل آليات التنشئة الاجتماعية الفعلية، من حيث التأثير القيمي المتزايد على الحياة الرقمية، بل في أنماط تفكير مغايرة – على نحو يحفز على رفض الواقع الفعلي، واللجوء من بعضهم إلى مواقع إباحية، أو مواقع تحض على الجريمة.. من أجل الحصول على المال، أو لقتل للأصدقاء.. على نحو ما تم مؤخراً من قتل طفل لزميله وصديقه في المدرسة. أو قيام بعض كبار السن.. بالاعتداء على الصغار من الأطفال جنسياً، وهو ما ظهر من خلال بعض الجرائم التي صدرت خلالها أحكام قضائية.
أدى تدهور مستويات التعليم ومناهجه ورداءته… إلخ، إلى استمرارية نظام الحفظ السريع والتكرار، ثم الإيجاز والتلخيص الوجيز، إلى النسيان.. تحت أثر وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع مستويات دراسة تاريخ كل بلد، ومكوناته، وتاريخ المنطقة، والعالم المتعدد، إلى تقوقع الصبية والبالغين في جميع مستويات التعليم، وانزوائهم وراء سرديات لا تاريخية حول تاريخ بلادهم، وجماعاتهم أياً كانت، بل وصل الأمر إلى حالة من الجهل بالأديان والمذاهب التي ينتمون إليها، وتبنِّي حكايات لا تاريخية وشفاهية زائفة، أو مغلوطة، وهو ما أدى – ولا يزال – إلى تشكل ثقافة الجهل بالذات والدين والمذهب والوطن، والجماعة التي ينتمي إليها «الفرد»، وساعد على ذلك تنامي الكتب الحكائية عن شخصيات تاريخية، أو أسرية، أو سياسية أو فنية تفتقر إلى المنهج التاريخي، والمعلومات الدقيقة، والتحليل الموضوعي، وهو ما أسهم في حالة من التشوش والتوهان التاريخي؛ إذا شئنا استعارة أنور عبدالملك.
أدى تعدُّد النظم التعليمية العامة، والخاصة إلى تمايزات اجتماعية واسعة بين الطبقات الوسطى العليا، وبعض الوسطى-الوسطى، وبين الطبقات الوسطى الصغيرة، والعمال والفلاحين، والبروليتاريا الرثة. من ثم أدت نظم التعليم الخاصة، والجامعات الأجنبية إلى إعادة انقسام المجتمع، قيمياً وتعليمياً وسلوكياً وطبقياً، ومن ثم إلى صراعات طبقية، ومعها أشكال من العنف الاجتماعي، وفجوات طبقية تتسع على نحو يحمل أخطاراً عديدة وغير مألوفة، والأخطر تفاقمها، وأثرها السلبي على التكامل الوطني، والانتماء، في ظل القيود التعليمية والطبقية على الحراك الاجتماعي لأعلى، ومعها ساد فقدان الأمل في الصعود لأعلى لذوي التعليم الحكومي.. من الطبقات الشعبية في العالم العربي ودوله المعسورة.
ثورة الاستهلاك المفرط والسريع فاقمت – ولا تزال – من الفجوات بين محدودية الفرد المادية من الدخل، وبين دوافعه ورغباته الاستهلاكية المتصاعدة، وهو ما يفاقم من الفجوات الطبقية، ويولد المزيد من الغضب الاجتماعي على الدولة والسلطة الحاكمة، لا سيما في دول العسر العربية، ويحفز على الطلب على الفساد، وارتكاب بعض الجرائم، ويسهم من ثم.. في عدم الانتماء الوطني، في ظل ضعف فاعلية القانون، وأجهزة تطبيقه وإنفاذه في مختلف المجالات، خاصة مع الانفجارات السكانية المتصاعدة، ومشاركة أجهزة الدولة فى الأنشطة الاستهلاكية، مثلها مثل شركات القطاع الخاص، على نحو يفاقم من أزمات دولة القانون والحق.. في بعض دول العسر العربية.
نقلاً عن «الأهرام»