نبيل عبدالفتاح
يبدو الإنسان في حاجة إلى ثورة جديدة إلى جوار – وحول وضد – فيضانات سطحية، بعد أن غالب ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الذكاء الاصطناعي التوليدي الذاتي. هي ثورة الأسئلة.. حول مستقبله في عالم الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وفيضان الصور، ثورة أسئلة تدور حول تاريخه، ووجوده ومعناه ومستقبله، وميراث فلسفاته، وأديانه، وعقائده، ومساءلة أسئلته.. التي تأسست عليها إجاباته من قبل، والخروج من عوالم الإجابات التي توصَّل إلى بعضها الفلاسفة، والسياسيون، وعلماء الاجتماع والسياسة، والأنثروبولوجيا، والمؤرخون، والقانونيون، والمشرعون.
… إلى تراثاتنا الإنسانية على تعددها، لا بد من مساءلتها.. في ضوء اجتياح الذكاء التوليدي الذاتي فائق التطور، وهيمنة قلة قليلة جداً من الرأسماليين الرقميين النيوليبراليين.. على معامل تطوير الذكاء التوليدي، وأيضاً مراكز البيانات والمعلومات الضخمة في ظل تمدد الذكاء الاصطناعي.. إلى جميع المجالات وحقول التفكير والإبداع؛ التي كانت جزءاً من الفكر والمخيال والإبداع الإنساني في السرد الروائي، والسينما، والفنون التشكيلية، والهندسة، والطب… إلخ!
نحتاج إلى مغادرة العقل الإنساني بعض سياجاته.. إلى عالم من الأسئلة المختلفة، والتحرر من الأساليب النمطية في التفكير والخيال والإجابات! ربما لا نحتاج إلى الإجابات السريعة، أو المستمدة والمستنسخة من الإجابات الفلسفية الحداثية.. وما بعد بعدها! لا سيما في مرحلة تحول فائق السرعة، تضع كل المسارات الإنسانية السياسية في ظل رهانات الرأسمالية النيوليبرالية، وأباطرة الشركات الرقمية الكونية عند القمة في العالم، إلى مسارات تبدو من الصعوبة السيطرة السياسية والقانونية والأخلاقية عليها! مهما كانت المخاوف، وإبداء الحاجة والقدرة.. على إبطاء تطورها، والسيطرة على مخرجاتها.
ما مصير الدولة ما بعد القومية.. في ظل تداخل وتمدد الروبوتات والبنيات الأساسية الرقمية والذكاء التوليدي الذاتي على سلطاتها، وأجهزتها البيروقراطية.. في سياقات حلول للأنظمة والبرامج التوليدية الذاتية محل عالم بيروقراطية الدولة القومية، وميراثها وتقاليدها وأساليب تفكيرها، وعملها؟ أين ستذهب جيوش البيروقراطيات في الدول الأكثر تطوراً في شمال العالم، هل ستجد الصين واليابان، والهند، ودول آسيا الناهضة، حلولاً لبيروقراطياتها الضخمة.. مع تطورها في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟ أين ستذهب هذه الكتل الضخمة من البيروقراطيات؟ إلى البطالة أم إلى أنماط جديدة من العمل؟ مع العلم أن عشرات الملايين.. لا يمكن إعادة تأهيلهم لأسواق العمل، لتغيره.. ومعه أنماط الطلب المختلفة على الوظائفية أو إلى عالم من الفراغ والوحدة؟
مفهوم السيطرة السياسي – المرتبط بالهندسة الدستورية والسياسية والأخلاقية «للدولة» – هل سيستمر مع الروبوتات، أم سيتم تجاوزه، وتسيطر هي على التنظيم الإنساني في المجالات السياسية، والأمنية، والعسكرية بل وفي النظام الاجتماعي؟ مفهوم السلطة/السلطات الثلاث، في ظل الدور الذي ستلعبه الروبوتات، والرقمنة.. هل سيستمر أم أن المفهوم سيتغير ويحل بديلاً عنه؟ في ظل سلطة لم تعد إنسانية خالصة في تفكيرها.. كما كانت! وفي أطر تنظيمها وهندساتها الرقمية، وإداراتها؟
تفكير السياسي في السلطة التنفيذية، بعضهم بدأ في اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي.. في محاولة فهم بعض المشكلات والأزمات، وكيفية الوصول إلى مسارات لإيجاد حلول لها؟ من ثم الفكر السياسي في المستقبل المتوسط والبعيد.. هل سيغدو فكر الذكاء التوليدي الذاتي فقط؟
في مجال السلطة التشريعية، الذاكرات الرقمية للتشريعات وتواريخها وهندساتها القانونية التنظيمية.. للبنية الاجتماعية والاقتصادية، من ثم ستغدو جزءاً من بنية رقمية متطورة، في الفكر القانوني، وبل في صياغة النصوص القانونية، وتفسيرها؟ والأهم، لن تعود الفلسفات القانونية الوضعية، وتاريخها ما قبل الحداثي-الروماني والمسيحي، والحداثي وما بعد بعده، هي التي سوف تتأسس عليها فلسفة الذكاء التوليدي الذاتي، بل تفسيره وتحليله للقوانين التي سوف تقترحها، لمشرعي السلطة التشريعية الذين سيلجأون إليه فرادى أو أحزاباً سياسية إن وجدت مستقبلاً؟
مفهوم الرقابة البرلمانية على أعمال السلطة التنفيذية، قد يحل محله رقابة أنظمة الذكاء التوليدي، من خلال رصد السياسات والبرامج والقرارات الحكومية، والسلوكيات البيروقراطية وتجاوزاتها، المرجح أن البنية الرقمية القضائية.. تجددت نسبياً في بعض الأنظمة القضائية المقارنة الأوروبية والأمريكية، من حيث الدعاوى القضائية في جميع المجالات، وإعدادها وتصنيفها، وسيمتد ذلك إلى تحليلها، وطبيعة مشكلاتها الواقعية، وطبيعتها القانونية، والمواد الناظمة لها في التشريعات، بل وفي المساهمة في إصدار الأحكام القضائية، وفي إعداد حيثياتها القانونية! وقد يؤدي ذلك إلى التأثير على نظام المحلفين في الولايات المتحدة الأمريكية، والدول التي تأخذ به أيضاً.. في مجال المحاكمات الجنائية! بدأت التغيرات في نظام المحاكمة عن بُعد من خلال الشاشات الرقمية، وهو ما حدث أثناء جائحة كورونا وفيروسها المتحور، في ظل نظام الإغلاق الكلي والجزئي.. في بعض الدول الأوروبية! لا شك في أن هذا الاتجاه سيتعاظم مستقبلاً.
الحياة الومضاتية للعقل العفن.. ناقص الانتباه والمشتت، والغائب عن التركيز والعمق، يبحث غالبه عن الإجابات، والأسئلة النمطية، والسطحية والسريعة.. سعياً وراء اطمئنان ما، لكنه بعيداً عن أسئلة المصير الإنساني.. في ظل التحولات فائقة السرعة، بل والتي ستغدو قريباً ومضاتية، هل ستصبح الكتابة المهجنة بالذكاء التوليدي في عديد المجالات إبداعاً؟ وفي ظل تمددها.. هل العقل الإنساني عموماً – والعقل العفن – سيظل هو مركز الإبداع الإنساني، أم سيصبح عقلاً معتقلاً أو مصادراً.. لصالح العقل الاصطناعي التوليدي؟
ثمة حاجة للأسئلة، لأنها ستظل هي المحرك للعقل الإنساني اليقظ، عقل قلة القلة المحدودة.. في عالمنا كله، التي ربما ستقاوم طغيان التطور الرقمي، والذكاء الاصطناعي!
نقلاً عن «الأهرام»