Times of Egypt

«توتو»!

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

أواصل الكتابة عن بعض تفاصيل الحياة السياسية المصرية.. في مرحلة التحول من تنظيم سياسي واحد، هو الاتحاد الاشتراكي العربي، إلى تعددية داخله؛ أطلق عليها اسم المنابر.. ثم تحولت إلى تنظيمات، ثم صارت أحزاباً. وسبق أن سطرت بعضاً من تفاعلات تيار اليسار المصري – بشقيه الماركسي، والقومي الناصري في معظمه – وأشرت إلى توجه مجموعة بقيادة الراحل الكبير كمال الدين رفعت، إلى إنشاء منبر ناصري، ومجموعة أخرى بقيادة الراحل الكبير خالد محيي الدين، لإنشاء منبر ماركسي أطلق عليه منبر التقدم. وكيف تم رفضهما من لجنة مستقبل العمل السياسي، التي كان يقودها – بالتناوب – الراحلان سيد مرعي ومصطفى خليل.

وكيف خصص الرئيس الراحل السادات.. خطاباً كاملاً للهجوم على المنبر الناصري ومؤسسيه، فتنادى الطرفان – الماركسي والناصري – للالتقاء، والبحث في تأسيس كيان موحد، والتقوا في مقر حركة السلام – أو مكتب خالد محيي الدين – في شهر مارس 1976، ودار حوار طويل.. شارك فيه السادة خالد محيي الدين، وإسماعيل صبري عبد الله، ولطفي الخولي، وفؤاد مرسي، وأبو سيف يوسف، وعلي طلخان، ومحمد شطا، ورفعت السعيد.. عن الماركسيين. أما الجانب الناصري، فقد مثَّله كمال الدين رفعت، وكمال أحمد، وعبد الحميد عطية، وأحمد الجمال. ولم يكن ذلك التوجه لانضواء قوى اليسار المصري في تكوين واحد.. معزولاً عن توجه الرئيس السادات؛ الذي قال في خطابه – الذي أشرت إليه – إن العالم لا يعرف سوى ثلاثة توجهات: يمين ووسط ويسار.

ويبدو أن اتصالات في الكواليس.. تمت للتمهيد لتنفيذ فكرة السادات، وليكون قادة التكوينات الثلاثة – اليمين والوسط واليسار – شخصيات انتمت فيما قبل.. لتنظيم الضباط الأحرار، وليكون مصطفى كامل مراد زعيماً لليمين، وخالد محيي الدين زعيماً لليسار، وأنور السادات بنفسه.. زعيماً للوسط؛ باعتباره التيار الرئيسي الذي تتجسد فيه الوسطية المصرية، التي طالما كتب فيها. وفي مارس 1976، تحدثنا عن أيديولوجية التكوين.. الذي نريد أن نبنيه، وكيف نبنيه، وما هي نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، ولمن تكون القيادة، وهل يقبل أن يضم ذلك التكوين تنظيمات تحتية – سرية – أم يقتصر على الأفراد؟

واستمرت جلسات الحوار طوال الشهر، وتم اقتراح عدة أسماء للتكوين الجديد، واستقر الأمر على تسميته «التجمع الوطني التقدمي الوحدوي»، ومن فوره أطلق الأستاذ لطفي الخولي ضحكته المجلجلة، ونفث دخان سيجاره.. ليقول إن اختصار الاسم هو «توتو»، لأنه «تجمع.. وطني.. تقدمي.. وحدوي». وقد رُوعي في اختيار الاسم.. أن يتضمن الانتماء الوطني، وأن يتضمن إشارة للماركسية؛ باعتبارها رمزاً للتقدم.. الذي هو ضد الركود والرجعية. ثم يتضمن إشارة لأبرز ما في الفكر القومي من أهداف؛ وهي الوحدة العربية.

ثم كان الخلاف على التشكيل التنظيمي، وتمثيل الأطراف فيه. واتضح أن هناك نزوعاً لسيطرة ضمنية للحزب الشيوعي المصري داخل التكوين الجديد، الذي منحه السادات مباركته، وخصَّص له مقراً وسط القاهرة بشارع محمود بسيوني. (وكان مقراً سابقاً للاتحاد الاشتراكي في قسم قصر النيل). وإزاء عدم حسم التركيبة التنظيمية، وتوافر قناعة لدى الطرف القومي الناصري.. أنه سيتم تهميشه، بل ربما ذوبانه، مع وجود بلورة تنظيمية عقائدية منضبطة.. هي الشيوعي المصري؛ انسحب اثنان من فريقه من الحوار، وتبقى كمال رفعت وعبد الحميد عطية.

وفي كواليس تلك الأيام، كان الدكتور عبد الكريم أحمد – الذي اختار موضوع المذاهب القومية ليكون رسالته للدكتوراه – وكان من حظي.. أن أقرأ نصها قبل مناقشتها، لأنني كنت من تم تكليفه بمساعدة أستاذنا أحمد عزت عبد الكريم – كبير مؤرخي مصر، وأستاذ الأساتذة – في قراءة الرسائل التي يشرف عليها، أو سيشارك في مناقشتها، وقراءة البريد الذي يصله إلى منزله، وهو ساحة كبيرة فيها ثلاثة فيلات يسكنها أستاذنا، وأخوه الفريق محمد علي عبد الكريم، وأخوه الآخر اللواء سعد زغلول عبد الكريم (صاحب الدور الكبير في أزمة المشير عامر). وكان عبد الكريم أحمد يمت بصلة قرابة للدكتور محمد حافظ غانم – أمين اللجنة المركزية ووزير التعليم العالي – المقرَّب من السادات.

ويبدو لي – بعد أن بعدت المسافة الزمنية – أن عبد الكريم أحمد كان ينسق مع نظام السادات.. لحصار دور كمال الدين رفعت، وتمزيق جهود الوصول لوحدة اليسار؛ الأمر الذي كان يتمم حرص قيادات الحزب الشيوعي المصري – خاصة رفعت السعيد – على الإمساك بكل زمام القيادة في التجمع.. وربما أواصل السياق.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة