تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

تمنيات لمنتدى مصر

M.Adam

أحمد الجمال

ربما كان العيب عندي.. لأسباب أو لأخرى؛ حيث لم أفهم الآليات التي سيتم بها إدارة أعمال منتدى مصر 2026، الذي دعت إليه الحكومة بتوجيهات من السيد الرئيس، مضمونها ـ حسبما قرأت ـ إعطاء أهمية قصوى للرأي العام، والتفاعل مع شواغله وتساؤلاته، وبقدر واسع من المكاشفة والرؤية المستقبلية. وهنا، قد يستحضر الرأي العام تجربة الحوار الوطني.. الذي دام فترة طويلة نسبياً، وتوصل ـ فيما أعلم ـ إلى توصيات في جميع المجالات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعاصرنا حواراته، كما تابعنا المرات التي أعلن فيها أن السيد الرئيس استجاب لبعضها.. فور أن طالعها أو وصلت إليه، ثم بدا وكأن سكتة دماغية.. أصابت مسار ذلك الحوار، ولا بد أن يكون ذلك في ذهن الذين رتبوا للمنتدى، ويشرفون على مساره.

ثم إنني كتبت – في مقالات سابقة، نُشرت في هذه المساحة – عن تاريخ ما سُمي «السلطة الرابعة»، وكان يُقصد بها الرأي العام، ثم صارت التسمية للصحافة. وأشرت إلى أن التعبير شاع وذاع.. في أواخر القرن الثامن عشر في إنجلترا وفرنسا. وكان عصر فوران وثورة، وكانت السلطات – آنذاك – ثلاثاً؛ هي الملك والكنيسة والبرلمان. والملك يقول إنه.. الثلاثة في واحد، والكنيسة تعتبر نفسها.. مكلفة من السماء بالقانون، أما البرلمان ـ الذي كان فكرة وليدة ـ فيحاول أن يؤكد.. لنفسه ولغيره، أنه الممثل المباشر للجموع، ومصالحهم، وحرياتهم، وحقوقهم.

كانت الجماهير ـ التي كانوا يسمونها في ذلك الزمان ـ الغوغاء أو الرعاع.. موجودة في الشارع، تفجر مشاعرها الثورية في كل اتجاه. وكانت ضد الملك، وضد الكنيسة، وأحياناً.. ضد البرلمان. وهنا ظهر مصطلح السلطة الرابعة؛ التي هي سلطة الجماهير، التي تستطيع أن تفرض ما تريد.. بقوة الشعور العام والغضب العام، أي الرأي العام. ثم تواصلت التطورات التاريخية.. ليصبح للرأي العام أدوات ومؤسسات، يعبر عبرها عن مطالبه ومقاصده. وكانت الصحافة أبرز تلك الأدوات، وكانت أيضاً النقابات والتنظيمات والأحزاب والجمعيات الأهلية، وكلها كانت قنوات مؤسسية.. للوصل بين سلطة الرأي العام ـ السلطة الرابعة ـ وبين السلطات الثلاث؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، وكلما قويت هذه القنوات، وتمتعت بتوافر المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي.. الذي يفسح لها المجال، ولا يحرمها من الحرية المسؤولة.. وفق الدساتير والقوانين؛ انعكس ذلك على الحياة بوجه عام، والجانب السياسي والاقتصادي بوجه خاص.

ولقد تجدر الإشارة إلى أن المجتمعات البشرية.. التي سعت لتنظيم حياتها، لأجل القوة والرفاهية.. اتجهت للديمقراطية، وعرفنا الديمقراطية المباشرة والديمقراطية غير المباشرة؛ وفي المباشرة.. يتجه جموع الناس بأنفسهم للالتقاء والنقاش، ووضع الأولويات، وكيفية تنفيذ المطلوب دون وساطة من أحد، وربما كان النموذج السويسري فصيحاً في هذا الشأن.

أما غير المباشرة؛ فهي أن تنتخب الجموع – التي لها حق التصويت – من ينوب عنها في البرلمان، ثم تعددت تطبيقات ذلك.. بين الأخذ بدرجة واحدة، وبين الأخذ بدرجتين أو أكثر. وعرفت تلك المجتمعات مزايا وعيوب كل تطبيق.

وعليه، فإن التنادي لكي يشارك الجمهور – بكل فئاته وطبقاته وانتماءاته – في عملية الحوار.. حول الأولويات، وحول المعوقات. ويقدم المشاركون اقتراحاتهم؛ هو نوع أو لون من ألوان الديمقراطية.. التي ليست العبرة الرئيسية فيها بتطبيقها فقط، وإنما العبرة الأساسية والرئيسية.. هي أين تصب؟ ومن تخدم؟ وكيف تخدم؟ ولذلك، أتمنى أن يحقق هذا المنتدى.. ما عجز الحوار الوطني – ومعه البرلمان بمجلسيه والصحافة والنقابات والاتحادات والجمعيات الأهلية والأحزاب – عن تحقيقه، وهو التعبير عن الرأي العام.. الذي هو تاريخياً السلطة الرابعة.

كما أتمنى ألا يتحول الأمر ـ على يد بعض الذين يظنونها حرفنة، واحتراف اللعب بحركة الناس وصوتهم ـ إلى تطبيق لحكاية الفئران والشوال أو الكيس، وهي معروفة، فقد حُكٍيت وكُتِبت مئات المرات.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة