يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقويض النظام العالمي، فألحَقَ انسحاب واشنطن من هيئات عدة تابعة للأمم المتحدة، بمحاولته استحداث مؤسسة دولية جديدة من خلال إعلانه من طرف واحد ما سمّاه “مجلس السلام”، في خطوة طرح في شأنها خبراء ودول علامات استفهام.
وأعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الجمعة أن لدى القادة الأوروبيين “شكوكا جدية” في شأن “عدد من عناصر ميثاق مجلس السلام، تتعلّق بنطاق عمله وإدارته ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة”.
فعلى نقيض الأمم المتحدة حيث لكل دولة عضو كلمتها وللقوى الخمس الكبرى حق النقض، يتولى دونالد ترامب شخصيا لا واشنطن فحسب، إدارة “مجلس السلام” الحديث الولادة.
وستكون لترامب الكلمة الفصل في المجلس، وسيتمكن من البقاء على رأس المنظمة بعد انتهاء ولايته الرئاسية.
وقامت فكرة “مجلس السلام” أساسا للإشراف على إعادة اعمار قطاع غزة، حيث توصّلت إسرائيل وحركة حماس في تشرين الأول/أكتوبر الفائت إلى وقفٍ لإطلاق النار مدعوم من الولايات المتحدة.
لكنّ ترامب فاجأ الجميع بإرساله دعوات إلى قادة الكثير من الدول للمشاركة في المجلس، من أبرزهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رغم استمرار غزوه لأوكرانيا.
وأوضح ترامب لدى إطلاقه هذا المجلس رسميا الخميس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية، أن نطاق عمله قد “يتوسّع إلى مجالات أخرى” في حال نجح في غزة.
حتى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكد أن “لا حدود” للمجالات التي يمكن أن يمتد عمل المجلس إليها.
ويبدي ترامب اعتزازه بكونه أنهى على ما يقول ثماني حروب منذ عودته إلى السلطة العام الفائت، معربا عن امتعاضه من عدم منحه جائزة نوبل للسلام.
وأكد الرئيس الأميركي أن مجلسه المستحدث سيعمل “بالتنسيق” مع الأمم المتحدة، لكنه في الوقت نفسه كرّر انتقاداته للمنظمة الدولية التي تتهمها واشنطن بالتقاعس.
واضاف “في الحروب الثماني التي وضعتُ حدا لها، لم أتحدث قط إلى الأمم المتحدة”.
وثمة نقاط استفهام أيضا في شأن الجانب المالي، إذ إن الملياردير متهم أصلا بالإثراء الشخصي منذ عودته إلى البيت الأبيض.
ويبلغ البدل المحدد لنيل مقعد دائم في “مجلس السلام” مليار دولار.
لكنّ مسؤولا أميركيا شرح أن الدول لن تضطر إلى دفع هذا المبلغ الهائل مقابل عضوية موقتة مدتها سنتان، واعدا باعتماد “الضوابط المالية وآليات الرقابة الأشد صرامة”، مع أنه من غير الواضح بعد لأي غرض ستُستَخدَم هذه الأموال.
– اختبار غزة –
وحرصت الدول الأوروبية الكبرى على النأي بنفسها عن هذا المجلس الذي يخصص حيّزا واسعا للشركاء التاريخيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولحلفاء دونالد ترامب ذوي التوجهات نفسها، واللدول الصغيرة الساعية إلى استرضاء الرئيس الأميركي.
وامتنعت عن الانضمام إلى المجلس مثلا دول كفرنسا، و كذلك المملكة المتحدة رغم كونها من حلفاء الولايات المتحدة البارزين وعضوا دائما في مجلس الأمن الدولي.
ولاحظ المفاوض الأميركي السابق في ملف الشرق الأوسط وعضو مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي آرون ديفيد ميلر أن “هذا المنتدى لا يتمتع بالأهمية ولا بمجموعة المبادئ الأساسية التي تشجع دولا جدية على الانضمام إليه”.
ورأى ميلر أن عملية اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير الجاري أعطت ترامب جرعة ثقة، وأنه مقتنع بأن المؤسسات العالمية القائمة “لا تدرك أن المحرّك المركزي للنظام الدولي الحالي هو القوة الأميركية”.
وأعلن ترامب الخميس سحب دعوته لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني للانضمام إلى “مجلس السلام”، بعدما حضّ كارني في كلمته في دافوس ما وصفه بـ”القوى المتوسطة” التي ازدهرت خلال حقبة “الهيمنة الأميركية” على أن تدرك أن “الامتثال” لن يحميها من عدوان القوى الكبرى.
ورحّبت مجموعة من الدول ذات الغالبية المسلمة (السعودية وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان وقطر والإمارات العربية المتحدة) بإنشاء هذا المجلس، معتبرة في بيان مشترك أنه ينبغي أن يكون “إدارة انتقالية” لغزة.
ورأى ريتشارد غوان من مجموعة الأزمات الدولية، وهو مركز بحثي متخصص في حل النزاعات، أن “مجلس السلام” يشكّل مؤشرا على الطريقة التي يعتزم ترامب اعتمادها في سياسته الخارجية خلال السنوات الثلاث المتبقية من ولايته.
واستنتج أن الرئيس الأميركي “يريد وضع حد للمؤسسات المتعددة الطرف القائمة كالأمم المتحدة، والاعتماد على منظمته الخاصة التي يمكنه التحكم بها بالكامل”.
لكنّ الخبير شدد على أهمية نجاح المجلس في مهمته الأولى في غزة، حيث اقترح ترامب مشروع إعادة إعمار ضخما، “فإذا انهار الوضع في غزة، لن تكون للمجلس صدقية كبيرة في أماكن أخرى”.