Times of Egypt

بصلة المحب.. زهرة 

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

عشت وقتاً عميقاً، وإن لم يكن طويلاً، مع ذكرياتي الهولندية.. فور أن قرأت مقال المهندس صلاح دياب، المنشور في «المصري اليوم» يوم الأحد 3 مايو، وكان عنوانه «هناك يزرعون الفرحة». فقد كتب فيه عن «مهرجان قطف زهور التيوليب.. التي تُزرع بالملايين هناك، لتدر المليارات. وعن البشر دائمي الابتسامة والبهجة، والتفنن في إبداع مظاهر الجمال.. على بيوتهم وأمامها، وفي الشوارع. 

وأن نتيجة كل ذلك، جعلت هولندا في قائمة أكثر 10 دول سعادة في العالم؛ حيث يبحث الناس عن مناسبات للسعادة، ويزرعون الجمال حولهم، ويضعون باقات الزهور أمام منازلهم، ليشاركوا البلد فرحته، ويحافظوا على الأشجار.. التي لها احترامها – بل قدسيتها – ولا يتم قطعها أو استباحتها. ثم ختم بأنه مجتمع.. لا يحول الأعمال الجميلة إلى محرمات دينية أو مدنية. ولا يحتفي فيه الناس بالمآسي والأحزان.. كما نفعل، ولذا، لا عجب أننا نعاني جفافاً.. في نهر الحب والسعادة والبهجة».

وبعد المقال نالتني هدية جميلة من آل دياب؛ فيها كمية من أبصال التوليب والداليا والكالا وغيرها؛ إذ هويت زراعة تلك الأبصال، ومعها أبصال أخرى.. مثل أمرلس وليليوم وهايسنت والنرجس.

ويسعدني حظي، بأن أقطف منها بالعشرات كل موسم.. بعد أن عرفت مواعيد زراعتها، وكيفية العناية بها ورعايتها والتخاطب معها، وإهدائها للأصدقاء والجيران.

وبالقطع، فإنني توقفت عميقاً أيضاً.. أمام أننا نعاني جفافاً في نهر الحب والسعادة والبهجة، ورغم أنني أعلم – علم اليقين – أن لكل مجتمع ظروفه المكانية والزمانية، وسياقاته التاريخية والثقافية، ووجدانه المتضمن عاداته وتقاليده وعقائده، ولا تجوز المقارنة وإصدار أحكام.. تعتمد أفعل التفضيل من باب «الأحسن.. والأفضل والأكمل والأتعس إلى آخره»، لكنني معه.. في ملاحظة ما تفاقم لدينا من سلبيات؛ منها سيادة ثقافة القبح، والعداء للجمال، وما ينبثق منه على الأصعدة كافة، حتى وصلنا إلى تعود – وربما – إدمان القبح وتدمير الطبيعة، وتشويه ما يمكن أن يبقى جميلاً أخاذاً!

كنت أذهب إلى هولندا عدة مرات في السنة؛ قادماً من دسلدورف  في غرب ألمانيا – لأعبر الحدود وأدخل إقليم لومبورج – جنوب شرق هولندا – وعاصمته ماسترخت، لأتجه إلى مدينة صغيرة.. هي «فنلو»، ولأول مرة شاهدت مئات الدراجات.. تسير بمن عليها في الشوارع، وأكشاك الزهور.. التي تمتد بضاعتها ،حتى يظن الرائي أن الشوارع كلها قاعة أعراس أو أفراح، اكتظت بباقات الورد والزهور من كل الأنواع والألوان.

ثم صادفني ما اعتبرته كنزاً ثميناً، وهو متاجر أو محلات متخصصة في بيع زيوت العطور المركزة، تبيعها في قوارير صغيرة بديعة.. وما زال عندي منها المسك والياسمين والورد واللافندر.

ثم إن مدينة ماسترخت – التي تذكرت عندما زرتها عام 2006 – أنها مهد الاتحاد الأوروبي.. والعملة الموحدة، ويمتد تاريخها العريق لما قبل الميلاد، وينتمي معمارها إلى الطرز الرومانية والقوطية، وفيها بوابة.. من أقدم بوابات هولندا؛ هي بوابة «هيلبورت». وفيها أيضا.. كنيسة القديس سيرخاتيوس، وبها جامعة للفنون، وكهوف أو مغارات تحت الأرض.

كنت أقيم – مدة وجودي هناك – في مدينة فنلو، حيث طرز المنازل قديمة وموحدة وبديعة، ولكل منزل حديقة خلفية و«بدروم» عميق.. ولا أبالغ بأنني ارتجفت، وترددت في النزول إلى بدروم المنزل؛ متأثراً بحكايات رويت لي.. عن أن كل بدرومات المنطقة كانت الملجأ ليهود ألمانيا؛ فراراً من مذابح النازي، وأنها – في معظمها – حفلت بجثث من وصلوا على وشك الموت، أو بقوا إلى الموت معزولين فيها.

ومن فنلو سافرت إلى أمستردام، وإلى لاهاي، وإلى أيندهوفن.. المشهورة بالصناعة والجامعات، وفريق الكرة الممتاز.

أما أصل قصتي مع هولندا، فيرتبط بدور الصدفة في حياة الفرد الإنسان، لأن الصدفة هي من جعلتني ألتقي أول حب عرفته في الجامعة – بعد مرور 35 عاماً على لقائنا الأول – وتلك حدوتة مكتملة، ليس هذا مجال سردها.

وإذا تجاوزنا حقيقة.. أن لكل مجتمع ظروفه، التي تصبغه بالصبغة السائدة في حاضره، فإننا بالفعل أمام مأساة تفشي القبح في مجتمعنا؛ حيث لا يقتصر معنى القبح على الدمامة والقذارة والتشويه، بل يتعداها إلى معاداة الجمال.. التي تتجلى سماتها في مسلكيات الناس وثقافتهم اليومية، وقسمات وجوههم وتعاملهم مع الزرع والضرع والعمران بوجه عام، وفي موقفهم من الآخر؛ ابتداء من الشقيق والجار والزميل، وليس انتهاء بالمختلف اجتماعياً وثقافياً ودينياً، رغم أن الموروث.. ينص على أن تبسمك في وجه أخيك صدقة. ومعلوم أن صفة الأخ.. تتسع للإخوة في الأسرة، وفي القرية، وفي المدرسة والجامعة والعمل والمجتمع كله.

ولقد غرست الأبصال – التي تلقيتها من آل دياب – وأرعاها إلى أن تزهر. وأتمنى أن تتفتح كل الزهور الفكرية والثقافية والسياسية.. في حديقة وطننا الغالي، لنزرع الفرحة بدلاً من أن ننزعها!.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة