تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

النواة والزير.. والتوزيع الرابع

M.Adam
مصباح قطب 

مصباح قطب

من أهم التحليلات – التي قدَّمت تفسيراً متماسكاً للإقدام الكبير من المغاربة.. على محاولة الهروب إلى إسبانيا عبر سبتة، رغم المتداول عن قصص النجاح الاقتصادية في المغرب – أن السلطات هناك.. لا ترى – أو لا تركز على – الجانب الآخر من الصورة في الاقتصاد؛ ألا وهو ما يسمَّى.. جانب توزيع الدخل القومي، بين أهل العمل وأصحاب الرأسمال. ومدى.. لا أقول عدالته، ولكن أقول مدى توفيره للحد الأدنى.. من التوازن بينهما. 

أخشى أننا في مصر نتجه إلى نفس المسار، فلدينا حديث لا ينتهي عن قصص نجاح ومشاريع جديدة، وتيسيرات وحوافز وجهود لجذب الاستثمار، وكل هذا في ذاته لا بأس به، لكن العلة – كل العلة – في أن السياسات العامة لا تنظر إلى الجانب الآخر من المعادلة؛ أي جانب الأجور والعمل اللائق، بحيث يكاد الفرق بيننا وبين المغرب.. أننا فقط نحكم السيطرة – إلى حد كبير جداً – على منافذ الهروب، أو الهجرة غير الشرعية عبر البحر.

 يقال عادة إنك إذا كنت تعيش في كوكب آخر.. مثلما تقول أغنية مدحت صالح، وجئت إلى كوكب الأرض، وأردت أن تختبر مدى استقرار بلد.. اعتزمت أن تسكنه، اسمه مصر (أو أي بلد آخر)، فإنه يكفي أن تسأل عن رقم واحد.. ليعطيك الإشارة السليمة. هذا الرقم هو: نصيب من يعملون بأجر من الدخل القومي، ونصيب من يحصلون على عوائد تملك، أي على ريع الأرض أو العقارات، أو الفوائد و الأرباح، والتوزيعات من الأسهم وغير ذلك. 

في وقت من الأوقات – في مطلع الستينيات – اقتربت هاتان النسبتان من بعضهما البعض. وحالياً، وحيث لا توجد معلومات محدثة.. بسبب الإصرار على حجب بيانات بحث الدخل والإنفاق؛ مخافة انكشاف ارتفاع نسبة الفقر.. بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي، فإن النسبة عموماً.. هي فوق 30% بقليل من الدخل القومي للأجور. ونحو 70% لمن يحصدون عوائد التملك المختلفة. مع تحفظ بسيط.. وهو أن من يعملون بأجر.. كثيراً ما يكون عندهم نوع أو أنواع من عوائد الملكية البسيطة، لكن النسبة – في كل الحالات – ستبقى مقلقة، وتبقى مؤشراً على أن هذا البلد.. لا يمكن أن يستمر في الاستقرار لأمد طويل.. ما لم تتدخل الدولة بما يسمى السياسات الاجتماعية، لتعديل موازين توزيع الدخل القومي بالأدوات المعروفة، ومنها طبعا الضرائب، وتشريعات الأجور والتأمينات، والتأمين الصحي، والتحويلات بدون مقابل.. للمواطنين غير القادرين، وهكذا. 

كثيراً ما يقال: «والله محدش عارف البلد دي ماشيه إزاي.. أكيد ماشية بالستر وببركة دعاء الوالدين، وبركة أولياء الله الصالحين، والجينات المصرية الرحيمة والطيبة»، وهذا قول صحيح في إجماله، وإن كان الخبثاء والمنتفعون – من أنصار إبقاء الحال على ما هو عليه.. من عدم عدالة توزيع الدخل القومي – يستخدمون تلك المقولة.. لتبرير خلل أو غياب العناية بالعدالة الاجتماعية عند صناع القرار. في لحظتنا الراهنة، يجب أن نعرف أن هناك حدوداً لقدرة التراحم والتعاضد الاجتماعي.. على احتواء الوضع المتأزم الحالي، بسبب الغلاء وتضخم تكاليف المعيشة المخيف. 

تسألني: كيف نعرف ذلك؟. سأشرح: 

حسب العلم الاقتصادي، فإن هناك أربعة أنواع من التوزيعات للدخل القومي. 

التوزيع الأول: يتم خلال عملية الإنتاج نفسها.. وهو يشمل الأجور والحوافز العينية للعاملين، والعوائد والأرباح والفوائد… إلى آخره، لأصحاب الأملاك. 

والتوزيع الثاني: يأتي من خلال الموازنة العامة.. التي تخصص أجزاء من الإنفاق – في بنود مختلفة – لما يمكن أن نسميه إجمالاً.. تحويلات بدون مقابل، يعني لا يقدم المتلقون لها.. مساهمات مادية أو إنتاجية للحصول عليها. ومن أمثلة التوزيع بدون مقابل – بالطبع – الدعم.. بأنواعه، وبرامج مثل تكافل وكرامة، والمعاشات الاستثنائية… إلى آخره. 

التوزيع الثالث: يأتي مما تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، التي تقدم مساعدات وإعانات مادية أو معنوية أو خدماتية.. لغير القادرين. 

والتوزيع الرابع: وهو الأهم هنا، هو انتقال الأموال من يد إلى يد.. في المجتمع نفسه ودون إعلان؛ بمعنى أن يدفع الفرد القادر – أو الذي لديه قدر من الفوائض – مبالغ، أو يقدم مساعدات مادية.. كأجهزة منزلية أو ملابس أو أغطية أو طعام… إلى آخره، إلى المحتاجين من أهله وذويه والمحيطين به، ممن يقومون بخدمات مختلفة في البيت، أو في المحيط القريب، أو ما يقدمه للفقراء والمحتاجين في الشارع.. أو في أي مكان، وهكذا. 

وهذا النوع من التوزيع – في ظل الاتجاه الفظيع السائد في مصر في السنوات الأخيرة، بأن كل شيء له ثمن.. من خدمات التعليم والصحة، إلى خدمات شم الهواء على البحر أو في الحدائق العامة – هو الذي يسند مصر بلا أي مبالغة، وهو توزيع يتغذى أساساً على تحويلات المصريين بالخارج لذويهم (ومعه في حدود ما التوزيعات الآتية.. من فساد ونصب ورشاوى للبيروقراطية!)، ولذا لا يجب أن نظل نردد: «منعرفش ماشية إزاي وكله بيبات متعشي».

 خطورة الحال.. تنبع من أمرين؛ أولهما: أن عموم المتلقين – وهم بعشرات الملايين – يتآكل انتماؤهم بدرجات.. لبلادهم وحكامها؛ لأنهم يشعرون بأنها لا تقدم لهم شيئاً، وبأن وجودهم في الحياة واستمرارهم فيها.. مرتبط بما يقدمه آخرون من أبناء المجتمع نفسه. والأمر الثاني: أن قدرة الذين يقدمون مثل ذلك العون.. ليست بلا حدود. والدليل على ذلك، أن معدل الادخار المحلي وصل مؤخراً إلى 1.2 %. وهو أدنى معدل منذ عقود. 

صحيح أن الادخار المحلي يشمل مدخرات القطاع العائلي – أي الأفراد والأسر – ومدخرات القطاع الخاص، ومدخرات الحكومة. والحكومة – في بلادنا – أسوأ مدخر، أو هي بالعربي.. مدخر بالسالب؛ إذ لديها دين و عجز كبيران طوال الوقت. معدل الادخار المحلي هذا، كان منذ عامين فقط فوق 5%، وكانت الحكومة على حالها كمدخر سيئ وسلبي، بل ويفترض أنها الآن أفضل نسبياً.. لأنه أصبح لديها فائض أولي لا بأس به. والقطاع الخاص أيضاً على حاله تقريباً، ومعنى ذلك.. أن النقص الحالي في الادخار المحلي، راجع أساساً إلى تراجع القدرة العائلية على الادخار، وتزايد إنفاق الأسر المستورة على الضروريات، نتيجة التضخم وارتفاعات الأسعار، بحيث لم يعد لديها ذات الفوائض.. التي تجود بجزء منها. وبالتالي سيقل ما تقدمه للمحتاجين في المجتمع.. من الأهل وغير الأهل، تحت المظلة التي سميناها التوزيع الرابع.

لا أناقش هنا ما ورد بالدستور.. عن العدالة والمساواة والكرامة والتضامن وعدم التمييز… إلخ. خوفي منصب على النواة التي تسند الزير، أي التوزيع الرابع. أي إنسان عنده ضمير، ويصغي جيداً إلى ما يتخمر في المجتمع.. سيدرك قصة الزير والنواة هذه. 

… شعورنا بالخطر على بلادنا.. وصل إلى ذروة، أكاد أقسم بالله.. أنها تجعل البعض منا لا ينام، لأنه يعرف أن أي فوران الاجتماعي في مصر.. سيكون شؤماً وخراباً على الجميع، ونبتهل إلى الله مخلصين أن يجنب بلادنا هذا المصير.

نقلاً عن «المصري اليوم«

شارك هذه المقالة