وجيه وهبة
تحل ذكرى ميلاد «بيرم التونسي» (23 مارس 1893 ــ 5 يناير1961)، هذا الشاعر/الزجَّال، الموهوب الفذ.. ابن الإسكندرية الذي تجسَّد في فنه زخم سمات شخصية مصرية، فريدة من نوعها، وسيرة حياة زاخرة بالشقاء والمعاناة، وبالتحولات «الدرامية»، في مصر وفي المنفى. تعدد إنتاجه الشعري.. وتنوع في قوالب وأشكال مختلفة، من شعر الفصحى إلى شعر المصرية الدارجة «العامية»، ومختلف اللهجات العربية، إلى الشعر الشعبي والزجل والمسرح. كتب في مختلف الأغراض الشعرية، وإن كان – في النصيب الأكبر من إنتاجه – اهتم بالجوانب السياسية والوطنية، والنقد الاجتماعي اللاذع.
كما كان لبيرم باع كبير في فن «المقامات» – التي هي نوع من فن القص – يتميز باعتماده على السجع والجناس اللفظي والقافية، وغير ذلك من أدوات التعبير. وتركزت تلك المقامات «البيرمية».. المفعمة بروح الفكاهة الساخرة، على مثالب أبطالها من «المشايخ الأزاهرة»، وما ينتج عن اصطدامهم بالتحضر والتمدن.. من مواقف فكاهية. ومن بين إبداعات «بيرم» في فن المقامة، نختار اليوم «المقامة البيجامية»، التي ربما تروِّح عن الناس قليلاً، أثناء استراحة أو هدنة أيام العيد.
المقامة البيجامية
قال عـنجر بن خليجان: كُتب الحظُّ للعِمَّة.. وطلبت السفاراتُ أئمَّة.. فاختاروا من المشايخ ثمانية أنفار.. ووقفوهم للانتخاب والاختبار.. لأنه لا يجوز الذهاب إلى أوروبا.. إلا لمن تهذب وتربَّى.
فجعلوا يفحصون الأجسام.. ويتأملون الشكل والقوام.. ويختبرون الكفاءات.. ويسألون عن الآباء والأمهات.. فكانت النتيجة كما هو آت:
الشيخ عطعوط: وجدوه مكلبظاً وقـفاهُ أحمرُ.. كالذبيحة المسلوخة.
الشيخ عبد الموجود: جسمه ضامـرٌ كعـنزٍ هزيلٍ.. وعليه عـمامةٌ منفوخـة.
وعبد المقصود: أهرتُ الشِّدقِ، أسـودُ النّـَابِ فمهُ النتنُ.. ماضغاً فاسوخة.
راضي رضوان: فيلسوف.. أرخى على الصَّدر منه لحيةً.. ذيلها كذيل الفسيخة.
عبد ربه رشوان: أحـدب الظـهرِ.. زره مستـقيـمٌ، فهو عودٌ وزرهُ زمبوخة.
مهران الشندويلي: أبصروه يخبُّ في كـلِّ لـونٍ.. فنفوه وأكثروا توبيخه.
عبد الباسط زهران: جاء في الصَّف هارشاً كلَّ عضوٍ.. لم يدع رجله ولا يافوخه.
قال: فأسقطوا هؤلاء النفر.. واختاروني للسفر.. وذلك لما رأوه من علم غزير.. وأدب كثير.. فضلاً عن القفطان والحزام الحرير. فقطعوا لي التذكرة.. وسافرت في أول باخرة.
فخرج المشايخ لوداعي.. وهم يودون هدمي واقتلاعي.
ثم وصلنا إلى الوظيفة.. في سفارة باريس المنيفة.. فاستقبلني السفير في الصالون.. وأجلسني على ما يسمى بالشازلون.. ثم قال:
اعلم أننا لم نستحضرك للسجود والركوع.. ولكن ليتمَّ بك الموضوع.. والسفارة جعلت للأبَّهة والفخار.. لا للنَّفع والاتجار.. ويلزمها خيرة الموظفين.. وخيرة البوَّابين.. وخيرة رجال الدين. ولا يلزمنا من العمل إلا الذَّهاب والإياب.. والوقوف على الأبواب.. حتى إذا قيل لمن هذا القصر؟ قيل هذه سفارة مصر.. أفهمت؟ قلت: فهمت.
قال: قم الآن إلى عبد البصير.. السكرتير.. ليبحث لك عن مسكن.. ويساعدك ما أمكن.. قال: فذهبت إلى عبد البصير.. ذلكم السكرتير.. واشترينا ملابس إفرنجية.. لأستغني عن الجبة والفرجية.. وذلك مثل الجاكتة والبنطلون.. والفانيلا والكالسون.. وقميصاً وقبعة.. ومناديل أربعة.. ثم أجرنا أبارطمان.. أصحابه نسوان.. فمكثت أسبوعاً للراحة من السفر.. ولأتبيَّن البيت ومن فيه من البشر.
وقد اكتشفت إحدى العبَر.. وإليك الخبر:
دخلت عندي صاحبة البيت.. لابسةً لبس الرجال.. حالقة سوالفها والقذال.. وجلست على (الفوتيِّ).. وهي بهذا الزِّي.. ثم وضعت رجلاً فوق أخرى.. فحسبتها تريد بي سخرًا.. وانطلقت إلى السفارة.. وسألت السكرتير عن هذه العبارة.. قلت:
هل تلبسُ النسوانُ في خلواتها لبس الرجال.. ومثلهم تتقمَّطُ
أبصرت ربة منزلي.. وثيابها مثلي ومثلـك.. أم تراني أغلـطُ
فقال وما هو هذا اللباس، فقلت:
هو بنطلونٌ.. فوقه جاكتّـةٌ مفتوحةٌ.. منها النهود تلعـلـطُ
زرقاء كالبحر المموَّج.. متنها سيراء بالقلم العريض تخطّـطُ
فابتسم، فقلت:
أفكان سخراً ذاك؟ أم هي عادةٌ؟ قل لي.. فعقلي منذ ذاك ملخبطُ
فضحك وقال هذه بجامة.. فقلت:
إن كان هذا.. فالبجامةُ شكلها – في مذهبي – شكلٌ يسرُّ ويبسطُ
فقال: هل أعجبتك؟ قلت: لفَّاء كالتمثال، حتَّى خلتها من مقلتي – لا من يدي – تتزفلطُ
فقال دعنا من ذلك.. وانظر ما هنالك.
لقد جاء أربعةٌ من الطَّلبة يسألون عنك.. ولا أدري ماذا يريدون منك. يقول أحدهم إنه من إنشاص.. والثاني ابن عمدة دماص.. والاثنان الآخران.. يقولان.. إنهما من أبناء الأعيان.
فلمَّا رأيتهم إخوانك.. أعطيتهم عنوانك.. وكأني بهم الآن في دارك.. جالسين في انتظارك.
قال ابن خليجان: فانطلقت كالسهم.. بوجهٍ جهم.. لأطرد هؤلاء الضيوف.. بالمعروف.. أو بالمتلوف.. لأنَّ أبناءَ العمد.. ومشايخ البلد.. إذا أبصروا مثل هذه المدامة.. في هذه البجامة.. فلن يخرجوا إلى يوم القيامة.
كتب الأستاذ «مصطفى مشرفة» – في مجلة «الثقافة» عام 1941 – مقالين في عددين متتاليين، حلل فيهما أعمال «بيرم التونسي»، وخلص إلى أن عده.. أديباً شرقياً، يصل في نبوغه إلى مستوى أي أديب أوروبي من الدرجة الأولى. وأنه كشاعر.. لا يقل في فنه عن شاعر الانجليز «ت. س. اليوت»، ولا في جرأته.. عن الشاعر الفرنسي «بودلير»، وتنبأ بأنه سوف يأتي يوم.. يكون فيه مركز التونسي في الأدب المصري، مركز «تشوسر» في الأدب الانجليزي.
ونحسب أن «مشرفه» لم يجاف الحقيقة.
نقلاً عن «المصري اليوم»