محمد أبوالغار
من مزايا الصحافة الحرة، أنها تنشر الأخبار الصادقة. وفي غيابها، تسجل وسائل التواصل الاجتماعي – بالصوت والصورة – أحداثاً حقيقية موثقة، كان من الممكن قبل عصر الإنترنت والتليفون المحمول.. أن تغيب عن نظر وسمع الشعب. هناك ظاهرة قديمة في مصر، ولكنها استفحلت في السنوات الأخيرة، هي أن يقوم رئيس مؤسسة ما.. بالذهاب للتفتيش على أحد الأماكن، ويقوم بإهانة المسؤولين، والحديث معهم بلغة قاسية.. يمكن أن تُحسب «قلة أدب»، ويشخط وينطر بصوت جهوري. نراه في الفيديو الذي يقوم بتصويره أحد الحاضرين، وهو منظر مقزز، يثير الأسى.. بسبب نوعية هؤلاء المسؤولين.
شاهدنا أكثر من وزير – من وزراء الخدمات – يذهب إلى موقع، ويهين الجميع، ويتهمهم بالجهل، ويقول كلاماً.. يثبت لاحقاً أنه غير صحيح ومغلوط، وأنه «مش فاهم الموضوع، ولا حتى حساباته».
الأمر يخص أيضاً بعض المحافظين – الذين يذهبون مصحوبين بطابور طويل، ليس له لازمة.. من الموظفين والألاضيش وبعض الصحفيين – وينهال سيادة المحافظ على الموظفين.. بلغة شديدة السوء؛ وهو لا يناقش، ولا يسأل، ولا يستمع إلى إجابة. وإنما فقط.. يرغي ويزبد، ويصدر قرارات.. بالخصم والنقل والإيقاف؛ بدون تحقيق، ولا التأكد من أن هناك خطأ، وما هو سببه، وما هو حجمه، ليأخذ العقوبة التي تناسب الخطأ.
ويتبارى بعض المسؤولين في المنظرة، فيستدعي وزير التعليم مديري المدرسة – التي أهان فيها المحافظ المدير – لمقر الوزارة ويُصوَّر معهم، ويحييهم، ويعتبر أنه كسب «بنط شعبي».
كان المفروض.. أن يتصل الوزير بالمحافظ، ويطلب منه استدعاءهم لمكتبه.. والاعتذار لهم، وهذا أكثر لياقة، ويكون للاعتذار قيمة أكبر. أما حكاية أن يكسب أحد المسؤولين – على الآخر – «بنط»، فعيب. لأنهم كلهم مسؤولون في حكومة واحدة.
أصبح أيضاً في الجامعة، أن رئيس جامعة يمر للتفتيش أو الزيارة، محاطاً بجوقة كبيرة من الأساتذة والموظفين، وسيارات وزيطة. مدير الجامعة أو المحافظ.. لا يحتاج لأمن ولا زمبليطة. يجب أن يذهب وحده – وربما مع مساعد له – حتى لا يتعطل العمل.. في مظاهرة كدابة. الأمر وصل إلى درجات أقل في السلم الحكومي، فوكيل وزارة التعليم – أو الصحة – في المحافظة، يزور مدرسة أو وحدة صحية، ويعمل زيطة على مشاكل.. وزارته هي السبب فيها. حتى لو كان هناك أخطاء، هناك طرق مهذبة للجلوس مع المسؤول.. والتحدث معه، أو حتى عمل تحقيق في الخطأ.. قد ينتهي بجزاء الموظف، ولكن ليس في نظام الدولة – ولا النظم الإنسانية – عقاب اسمه.. إهانة الموظف، أو السخرية منه.
دراسات القيادة وعلم النفس، تجد أن الإهانة والشخط/ لا تجعل القائد أقوى، بل تجعل المسؤول أكثر خوفاً، وأقل قدرة على المبادرة.
دراسة «بينيت تيبر».. تبين أن هناك علاقة بين الإدارة العليا المسيئة، ورغبة العاملين في ترك العمل، وانخفاض الرضا والارتباط بالمؤسسة. درس الباحث آثار استخدام العنف والسخافة، والحط من كفاءة الإنسان وإهانته. ووجد أنها تؤدي إلى أن يترك الأكفاء والماهرون العمل، ويستمر فقط الكسالى وغير المهتمين بتقدم العمل. فإهانة العاملين تؤثر على انتمائهم للمكان، والتزامهم بالكفاءة. وتؤدي إلى اضطرابات نفسية.. عند الأشخاص الأكفاء، والذين عندهم حساسية. التنظيمات الحديثة للعمل.. أصبحت تحد من تصرفات هؤلاء الرؤساء الغاضبين.. دائماً! والذين يعتقدون أن الزعيق والشخط هو الحل.
ودراسة «أمير أوز»، أكدت أن مجرد التعرض بألفاظ حادة.. يمنع جودة الأداء، ويمحو احتمال الإبداع، ويجعل الإنسان محبطاً.. لا يرغب في مساعدة الآخرين. الإهانة ليست فقط مشكلة أخلاقية، وإنما هي تؤثر سلباً على الأداء، وتخفض الإنتاج.
هناك ثلاثة بحوث ميدانية عن تأثير الإهانة، والمعاملة السيئة.. من الرئيس للعاملين، تؤثر سلباً على الإنتاج وجودته، وفي بحث هام لإدموندسون – من جامعة هارفارد – تشير النتائج.. إلى أن البيئة التي يستطيع الفرد فيها أن يتكلم بصراحة، ويشرح الأخطاء، ويقدم رأياً مخالفاً.. دون خوف أو إذلال، هذه هي الهيئة التي تنجح وتتقدم. أما الشركة – أو الجهة الحكومية – التي يكون العاملون بها مرعوبين طوال الوقت، ولا يستطيعون أن يدلوا برأيهم.. فهي دائماً تتأخر. وفي دراسة لشركة جوجل، أفادت أن.. الأمان النفسي للعاملين، أمر أساسي لجودة الإنتاج وتقدم العمل. وأن وجود الأذكياء والعباقرة، ليس له قيمة.. في ظل وجود إرهاب نفسي، وخوف عند العاملين.
من السهل أن تجعل الناس يخافون منك، ولكن من الصعب أن تجعلهم يحترمونك. الخوف قد يحقق الطاعة، ولكنه لا يصنع قيادة حكيمة.. تقود، لأنه يؤدي – في النهاية – إلى إحباط أو غضب، أو إلى الانفعال. وكلها أمور.. تؤدي إلى ضرر شديد.
هناك ظاهرة معروفة عالمياً – ولكنها موجودة بكثرة في دول العالم الثالث، على مستوى الحكومات والوزارات وكبار الموظفين – وهي: أن ترفع صوتك، وتهين موظفاً أمام زملائه، ويعتبر الاعتراض عليه قلة أدب. فإذا صمت الجميع، فليس هذا دليلاً على أن الرئيس حازم، أو قوي الشخصية. صحيح هناك خوف، ولكن هناك عدم احترام وكراهية، وغضبٌ من هذا الرئيس في العمل.
هناك فارق بين الحزم والإهانة، المدير الجيد.. يقف بحزم، ويقول إن هذا خطأ. يقوله باحترام، وبجدية. ويطلب الإصلاح، وإفادته بالنتيجة.
كل هذا، يقال باحترام وبهدوء، وبدون صوت عال، وبدون أي شبهة إهدار لكرامة الإنسان. هناك قيادات تاريخية، اتخذت فيها مواقف يذكرها لها التاريخ، نلسون مانديلا سُجن 27 عاماً، وأصبح رئيساً لجنوب أفريقيا، وكان يمكنه التنكيل – وبحق – بسجانيه الظالمين المفترين. مانديلا لم يكن ضعيفاً ولا خائفاً، بل كان قائداً عاقلاً لم يهن الآخرين، بل طالب بحقوقه.. وأخذها بهدوء، وبدون إذلال، ولذا منح الأمة استمرارية الوحدة والتقدم. جورج واشنطن كان رئيساً، وقائداً للجيش المنتصر في الحرب الأهلية الأمريكية، وسلم السلطة للكونجرس طواعية.. ليقود الأمة، واعتزل السياسة.
على جميع كبار المسؤولين.. أن يتحلوا بالحكمة، ويعلموا أن إهانة أي إنسان.. خطأ مهني وإنساني وسياسي. وأن كل مخطئ.. هناك طرق حددها القانون لعقابه. الإنسان له كرامة، يجب الحفاظ عليها، وعدم امتهانها.
… القانون هو الذي يعاقب، وليس لسان الوزير أو المدير.
(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك)
نقلاً عن «المصري اليوم»