Times of Egypt

الفائز الأكبر في حرب إيران.. الذي لا يريد أن نراه الاثنين

M.Adam
مصباح قطب 

مصباح قطب

هناك فائز خفي – أو غير منظور – في حرب ترامب والنتن على إيران. النظرية التقليدية، التي تقول إن الحرب هي إحدى أهم وآخر أوراق الرأسمالية.. لحل أزماتها الكبرى، تعمل في المنطقة بكل قوة، وتؤكد مصداقيتها في كل يوم من أيام اشتعال التدمير. 

الحرب تتكفل – عمداً، ومشكورة ممن سيربحون لاحقاً – بتدمير الكثير من الأصول القائمة، المختارة غالباً، والمنتجة لسلع وخدمات، فضلاً عن أصول أخرى.. كالمساكن والمنشآت والبنية التحتية، ومعامل الطاقة ومراكز الأبحاث – (بخلاف المعدات العسكرية طبعاً) – وهي بذلك تزيح أطرافاً، وتقلل المعروض في الأسواق العالمية، وبالتالي تعيد قدراً معقولاً من التوازن إلى الأسواق.. التي تعاني فائض عرض، ويتم تعزيز نتائج هذا العمل التوازني.. بالنشاط الاستثماري والمالي والمقاولاتي في مجال إعادة الإعمار، وهو لا يُستهان به؛ فالسودان وحده – كمثال – يحتاج إلى تريليون دولار.. لإعادة تعمير ما خربته الحرب، وغزة بحاجة إلى ما فوق 150 مليار دولار.. وهكذا؛ أي أن القوى التي تُشعل الحرب تكسب 2 × 1 مرة.. بتقليل المعروض، وتهبيط حدة المنافسة، وأخرى بتعزيز الطلب الناجم عن بيع مستلزمات إعادة البناء والتسليح. 

مثل تلك المغانم، يتم تقسيمها بطريقة معقدة، وأساسها.. أن مَن دمر أصلاً، عادة هو مَن يفوز بعقود تعميره، (الأستاذ هيكل أشار إلى ذلك مرة.. في حديث عن ضرب ليبيا القذافي)، أخذاً في الاعتبار نسبة القدرات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية المشاركة لكل دولة.. في الحرب والتدمير.

الآن علينا أن ننظر إلى التدمير في أوكرانيا.. كمصلحة لأوروبا – ربما قبل غيرها – مصلحة تتخفَّى تحت قناع ردع أطماع بوتين. ومن هنا، حرصها على استمرار الحرب، ووأد أي محاولة للسلام، بما يشبه – إلى حد كبير حرص النتن – على استمرار التخريب في المنطقة العربية وإيران، وقطع الطريق على أي نهج تفاوضي. الدمار النسبي في روسيا وخطوط غازها.. مفيد لأطراف، والتدمير الشامل – أو شبه الشامل – في لبنان وسوريا وليبيا والعراق واليمن والسودان والصومال وغزة، وأخيراً الكعكة الكبيرة في الإقليم: إيران.

 كل ذلك يقود – بالضرورة – إلى إتاحة فرص للإفلات من خنقة المنافسة، وللتوسع أمام البزنس العالمي، ومجتمع الشركات الكبرى، فضلاً – بالطبع – عن استفادة المجمع العسكري-الصناعي، وسوق المال، هنا وهناك. المخيف، أن أوروبا وأمريكا قد لا تجدان طريقاً آخر.. لمعالجة التدفق الهائل من المنتجات الصينية إلى كل أسواق العالم، والعجز عن منافستها.. إلا بالحروب المخطط لها تدميرياً، لخلق طلب على منتجاتهم، أو تعطيل قدر من الطلب على منتجات الصين، أو إضعاف قدرة الصين – ذاتها – على الإنتاج، بالتحكم في الممرات وموارد الطاقة. الحرب – ومعها نظام العقوبات المصمم لنفس الهدف – أي تعطيل عمل الأصول الإنتاجية القائمة، أو إضعاف طاقاتها؛ هما أداتا العودة إلى وضع «نيونورمال».. أو وضع طبيعي جديد، فيه تقارب بين العرض والطلب. 

إن ما تم تجريبه في الحربين العالميتين الأولى والثانية.. من معالجة التزاحم في الأسواق بالتدمير الحربي، يتم إثبات صحته أكثر.. في مجمع الحروب التي تمت في السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا، فإن للمرء أن يتوقع الدائرة الجغرافية التالية.. التي عليها الدور، وقد أستطيع القول بيقين، إنها تركيا ومحيطها الإقليمي، وما فيه من دول.. تعاني درجات من الهشاشة الأمنية، تشبه في جوانب منها الهشاشة.. التي تعانيها دول عربية خليجية وغيرها.

تركيا علاقاتها بإسرائيل وأمريكا قوية؛ فهي عضو الناتو، لكن مصلحة النظام الرأسمالي وأقطابه ككل.. أهم من العلاقات الثنائية. وبالتالي، فإن تخريب أصول كبيرة في تركيا كقطب – وفي مجموعة الدول المحيطة بها آسيوياً وأوروبياً – أهم.

عند هذا، تقف قدراتي على التوقع؛ فلا أستطيع أن أحدد الدائرة الثالثة من الدوائر التي يمكن تدمير أصولها، فقد تكون البرازيل.. ومعها بعض دول أمريكا الجنوبية، أو تكون باكستان، (ذاتها التي تنقذ وجه أمريكا الآن)، وبعض ما يحيط بها، أو إندونيسيا أو فيتنام وجوار لهما.. هذا، ما لم يتغير النظام العالمي الاقتصادي القائم بضغط الشعوب. 

يجري الصراع العالمي الراهن على ثلاث جبهات؛ هي السيطرة على الممرات البحرية والبرية أيضاً – التي تمر فيها خطوط الأنابيب والكابلات والسكك الحديدية – والصراع على الطاقة ومعها المياه والغذاء، ويا ويل الدول التي تعتمد فقط.. على تحلية المياه، والصراع حول السيادة التكنولوجية الرقمية، ومن شأن التدقيق في جوانب هذا الصراع، وما يمكن أن يتفرع عنه من مدخلات ومخرجات.. أن يمكنه بناء التنبؤ المطلوب بالحرب المقبلة، وبنك أهدافها؛ علماً بأن أسوأ ما كشفت عنه الحرب الحالية.. هو التعمق المخيف لنزعة الخلاص الفردي الدولتي.. في كل دول العالم تقريباً.

وقد رأينا كيف أن كل دولة.. كان لها «ودن من طين وأخرى من عجين»؛ وهي تلمس أضرار ضرب منشآت الطاقة في الإقليم عليها، وتسمع تحذير ترامب عن تدمير الحضارة الفارسية، وترى – بأم عينيها – ما يقوم به النتن من أعمال تدميرية يومياً.. في لبنان وسوريا وغزة وبحر قزوين.

ومن وجهة نظري، فإن إيران كانت تحقق بعض ما ترمي إليه أمريكا وإسرائيل.. بتدميرها أصولاً إنتاجية وخدمية في دول الخليج العربية – بنوع من القصد – مدركة أن ذلك قد يخفف عنها هي.. بعض التدميرات المطلوبة، لتحقيق هدف الحرب أمريكياً وصهيونياً، وهو معالجة مشكلة العجز عن المنافسة، مع معضلة العرض الزائد، والطلب المتراجع. 

ولعل مراجعة الأهداف – التي قامت الطائرات الصهيو-أمريكية بضربها – تدل أيضاً على ذلك، والنموذج هنا.. هو العمل الإسرائيلي الخاص بقذف منشآت حقل بارس الجنوبي للغاز – الأكبر عالمياً، والمشترك بين قطر وإيران – الذي يخدم بوضوح ساطع فرص الشركات الأمريكية الكبرى للنفط.. في إبرام المزيد من صفقات الغاز، وبالأسعار التي خلقتها الحرب ذاتها.

المؤكد، أن النتن و«الحربجية الصهاينة».. يتقاضون عمولات/منافع متفقاً عليها، عن مثل هذا الإجرام المنظم.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة