عادل نعمان
لم يكن يعرف الباحث «أحمد سامر – مؤسس حركة «علمانيون» – حين أوقف نشاط «علمانيون» مصر.. بعد خمسة عشر عاماً من التواصل الفكري مع الناس؛ في صورة فعاليات وصالونات ثقافية.. أن الأشاوس من عناصر الإسلام السياسي، سيرفعون راية النصر على فصيل من العلمانيين.. لا يحملون من الزاد والعتاد ورباط الخيل سوى قلم وورقة ومحبرة، وأن مشايخ الدعاء والاستجداء واللعان – الذين أكثروا منه لسنوات طوال.. في الدعاء بالشر على العلمانيين؛ بقصف رقابهم، وتشتيت شملهم، وحرق قلوبهم على أفكارهم، وتمكين الفقر من جيوبهم.. أن الله قد استجاب لهم، فأفلسوا وأغلقوا مقرهم الوحيد. وأن الله استجاب لتضرعهم وحرمهم خمسة وعشرين ألف جنيه.. قيمة إيجار المقر الخاص بالحركة ومصاريف الشاي والقهوة، وترك اليهود.. يعيثون في الأرض فساداً، ويقتلون الأبرياء من أهالي غزة ولبنان وإيران، ويشتتون شمل البلاد والعباد، وترك تجار المخدرات والسلاح ومحتكري السلع الغذائية والفسدة والمرتشين والقوادين والمتحرشين.. يجنون ويتحصلون على الأموال الحرام بالمليارات.. فتعالى الله عما يدعون علواً كبيراً. وكم كنا نتمنى أن يميل الدعاء قليلاً.. فيصيب هؤلاء الظلمة؛ حتى يكون النصر المبين على أعداء الدين، وليس إيجار مقر الحركة المتواضع.
العلمانية فكرة لا تموت، وهدف كل الذين يتوقون للعدل والحرية وعبادة الله.. دون وجل أو خوف أو تمييز، فلا خوف من التواصل مع الله أو عبادته أو إقامة شعائره والجهر بها في الدولة العلمانية. كل الخوف في الدول الدينية، التي لا ترى حقاً للعبادة إلا لفصيل واحد، ولا حرية لإقامة الشعائر إلا لدين واحد، ولا قصاص ولا عدل ولا قيادة ولا ريادة ولا ولاء إلا لمنتسبيه، والبراءة من غيره.
وليس من الحكمة أن يغلق مركز أو منبر ثقافي أو تنويري أو حركة فكرية أو نشاط معرفي – حتى لو كان مخالفاً أو متعارضاً مع الاتجاه العام أو الخاص – فهي ثروة معرفية وميراث حضاري، يعلي سقف المعرفة والتواصل الحضاري؛ فليست الأصوات الرافضة العالية.. تمثل الاتجاه العام أو الأغلبية.. كما نرى في بلادنا من أصوات السلفية، التي تهاجم وتهلل وتجلجل على كل من يعارضها ويختلف معها في الرأي.. حتى من بني جلدتها، فهي تعرف حجمها جيداً، فليست الأغلبية بالطبع، لكنها تجيد فنون الخداع والتخفي خلف الستار، فإذا ما رفعته.. وجدتهم خلف جموع من البسطاء، لا يعرفون من يهاجمون ومن يتهمون ومن يطاردون، وسيُرفع عنهم الغطاء يوماً وينقشع ستار التخفي.. لنرى الحقيقة كاملة؛ أن وراء كل هذا من يحاول أن يتخذهم ظهيراً وسنداً وداعماً لأنظمتهم وتوجهاتهم. ورحم الله الرئيس السادات، حين أمَّنهم على روحه ونظامه، فكان من ضحاياهم.. حين فتح لهم الأبواب، وآمنهم من خوف.. فأخافوه واغتالوه.
نحن مع حرية المعتقد والرأي أكان مخالفاً أو متفقاً معنا، فإن المجتمعات في حاجة إلى الحراك الثقافي والتعليمي، وتبادل المعارف والآراء، والمنافسة الفكرية، فلا تقدُّم أو نمو دون وعي وفهم وحوار ونقاش، في النهاية لا يصح إلا الصحيح، والأهم القدرة على الحوار والنقاش واحترام الرأي والرأي الآخر.
عموماً فإن إغلاق مقر حركة «علمانيون» (وأرجو أن يتراجع المسؤولون عن القرار، فقد تطوَّع الكثير لرفع الديون عن الحركة، وسداد الإيجار المتأخر)، وتوقف نشاط الحركة دليل أكيد على براءة الحركة من تلقي أموال وتبرعات من جهات أجنبية.. كما يكيل ويتهم هذا الاتهام تيار الإسلام السياسي وأنصاره، فلا دعم خارجي، ولا تمويل موجّه، ولا شراء لأفكار خارجية واستيرادها، بل إن براءة الحركة من كل هذه الاتهامات ثابتة واضحة.. مقطوع بها أمس واليوم، وإلا كنا رأينا السيارات الفارهة والقصور المنيفة والزوجات بالكوم.. كما نراها رأي العين مع أصحاب تيار الإسلام السياسي. والدعوى جميعهم بلا استثناء، في الوقت الذي عجز غيرهم عن سداد ثمن الشاي والقهوة.
لسنا دعاة إغلاق منابر أو إيقاف قنوات سلفية، أو منع أو حظر مواقع أو تطبيقات.. مهما كانت تحمل من خلاف أو تعارض معنا، فهو حق للجميع، وحرية الرأي مكفولة للجميع أيضاً، ولم نطالب يوماً بتخفيض عشرات القنوات السلفية.. التي تسب وتلعن في غيرها ليل نهار؛ بل ما نطالب به دوماً أن يكون حقنا محفوظاً بجانب حقوقهم، وفرصتنا مصونة ومحمية بحكم القانون على السواء، وألا نُحظر ونُمنع من الظهور شهوراً، ونظهر على استحياء يوماً أو بعض يوم، أما التمويل بالمليارات فنحن نحسدهم عليه.
همسة في أذن العلمانيين، قليل من «التقية» وبعض من «معاريض» محمد حسان، وكثير من أكاذيب التراثيين، واكتموا كما يكتمون ويخبئون، فليس كل ما يقولونه ويوثقونه حقيقة، بل يضمرون أكثر مما يعلنون.
قليل من السر في العلن، ينجيكم من دعوات الفقر والحاجة، وسداد إيجار المقر.
(الدولة المدنية هي الحل)
نقلاً عن «المصري اليوم»