د. نيفين مسعد
تنعكس تداعيات الصراع الأمريكي-الإيراني على الساحة السياسية العراقية.. بأكثر من أي وقت مضى، منذ بدأ – في عام 2003 – تقاسُم النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران.. في داخل العراق. فمع أن انسحاب قوات التحالف الدولي – وأهمها القوات الأمريكية – من العراق، يمثل إنجازاً وطنياً كبيراً، إلا أنه لا يعني أبداً انتهاء النفوذ الأمريكي في العراق، بل يمكن اعتباره مدخلاً لمزيد من الضغط السياسي والاقتصادي الخشن.. على صانعي القرار العراقي.
ومن جانبها، فإن إيران ليست في وارد التخلي عن الساحة العراقية.. من أجل التركيز على ساحة عربية أخرى؛ مثل ساحة الخليج أو ساحة اليمن. ففكرة مقايضة الساحات تخرج عن ثوابت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، التي تعتبر أن نقل حروب إيران خارج أراضيها.. مكون أساسي من مكوناتها فيما يُعرف بعقيدة «الدفاع الأمامي». بل إنه حتى بالنسبة للساحة السورية، ورغم الانطباع السائد بأن إيران تخلت عنها مرغمة.. بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلا أن هذا الانطباع غير دقيق؛ وقد رأينا كيف تعمل إيران على تمرير السلاح من العراق لسوريا، ومن سوريا لحزب الله في لبنان، كما تسعى أيضاً لإعادة ترميم نفوذها في سوريا.. عبر دعمها الجماعات المعارضة لنظام الحكم الانتقالي.
وفي إطار هذا الصراع الأمريكي-الإيراني.. على استقطاب العراق، شهدت الساحة العراقية – منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2025 – ما يمكن وصفه بتصعيد سياسة «شدّ الأطراف» بين الولايات المتحدة وإيران. فلقد أبدت الولايات المتحدة اعتراضاً صريحاً.. على تولِّي نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية؛ باعتباره أحد رجال إيران الأقوياء في داخل العراق. وتحت الضغط، اضطر الإطار التنسيقي – الذي هو بمنزلة الفاعل الرئيسي في العملية السياسية العراقية – للتراجع عن ترشيحه للمالكي، واختار بدلاً منه رجل الأعمال الشاب علي الزيدي، ودعمه ترامب من فوره.
هذا الدعم، كان له جانبه الدبلوماسي المُعلن.. كما اتضح من امتداح الرئيس الأمريكي له، أثناء زيارته الأولى لواشنطن. كما كان للدعم أيضاً جانبه الاقتصادي.. بالعودة إلى تزويد العراق بشحنات دولارية من أمواله المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي، بعد فترة من التلكؤ المقصود. والذي يعرف العراق جيداً، يدرك شدة احتياجه للأموال السائلة.. لأسباب أهمها المشاكل التي يعانيها نظامه المصرفي، والإرث القديم للعقوبات الاقتصادية.
استوعبت إيران صدمة الإطاحة بنوري المالكي، وركزت على احتواء آثارها. وهكذا، فبعد أن تعهَّد علي الزيدي – في برنامجه الحكومي – بأن يضع على رأس أولوياته: مكافحة الفساد، ونزع سلاح الفصائل، وحدث بالفعل تقدم في تحقيق الهدفين. لم تلبث الدفة أن غيّرت وجهتها. تباطأت حملة مكافحة الفساد.. لأنها كانت ستقود للتشكيك في مصداقية العديد من عناصر النخبة الحاكمة. كما تعثرت عملية نزع السلاح.. بسبب رفض عدد من الفصائل التابعة لإيران تسليم سلاحها للدولة، بل قامت هذه الفصائل نفسها بالتصعيد ضد الجوار العربي لإيران؛ تضامناً معها في حربها مع الولايات المتحدة.
وكان من نتائج هذا التصعيد، قيام المملكة العربية السعودية – لأول مرة – بالتنسيق مع الولايات المتحدة.. بقصف مواقع للحشد الشعبي والفصائل المسلحة داخل العراق، رداً على استهداف أراضيها. واللافت هنا، هو أن هذا التصعيد جاء بعد أقل من شهرين على تولِّي الزيدي مقاليد السلطة. وبعد أن كان الزيدي قد أعلن أن الثلاثين من سبتمبر.. هو الحد الأقصى لحصر السلاح بيد الدولة، إذا به يتحدث عن تنظيم السلاح وليس عن جمعه، وإذا باللجنة – التي تم تشكيلها لبحث موضوع السلاح – تقترح خطة زمنية تبدأ من تاريخ الثلاثين من سبتمبر.. كبداية لعملية تستمر عاماً على الأقل، بحيث يتّم وضع سلاح الفصائل تحت إشراف الحشد الشعبي، وليس الجيش. ويمكن التكهُّن بسهولة.. بأن الزيارات المكوكية التي قام بها كبار المسؤولين الإيرانيين لبغداد، كان لها دور كبير في إدخال هذا التعديل على خطة رئيس الحكومة؛ من نزع السلاح، إلى تنظيم السلاح. ومن إتمام العملية دون شروط، إلى وضع قائمة كبيرة من الشروط والضمانات القانونية.. لقادة الفصائل المسلحة.
وفي جولة جديدة من جولات «شدّ الأطراف».. بين الولايات المتحدة وإيران، ومع سَعْي دونالد ترامب لإحكام الحصار حول إيران، وإجبارها على الجلوس للتفاوض.. وفق شروطه، انتقل الرئيس الأمريكي – لأول مرة – من الحصار البحري لإيران، إلى حصارها الجوي. هكذا، وفي خطوة مفاجئة أنذر ترامب شركات الطيران – التي تسيّر رحلات من إيران وإليها – بالخضوع للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، ما لم تتوقف. وامتد هذا الحظر الجوي.. ليس فقط إلى الرحلات بين بغداد والمدن الإيرانية المختلفة، لكنه امتد أيضاً إلى الرحلات الجوية بين النجف الأشرف وسائر المدن الإيرانية.
ومثل هذا الإجراء.. إن دلّ على شيء، فإنما يدل على عدم إدراك الرئيس الأمريكي.. لحساسية العلاقة الدينية بين النجف الأشرف وإيران، وإلا لكان توقّع حجم ردّ الفعل الشيعي الغاضب داخل العراق رفضاً لحظر الطيران من النجف وإليها. ويضاف إلى عدم الفهم الديني، عدم فهم الأثر الاقتصادي الضار.. لقرار حظر الطيران مع النجف؛ فالمحافظة تعتمد على السياحة الدينية الإيرانية.. كمصدر أساسي لدخلها. وفي الأخير، وجد ترامب أن رئيس الحكومة – الذي تباهى بوصوله للسلطة – صار معرّضاً لسحب الثقة منه.. بسبب انصياعه للقرار الأمريكي، وبالفعل علت أصوات تطالب بعزل الزيدي.
وأسهمت إيران – وأذرعها داخل العراق – في صبّ المزيد من الزيت على النار. بل إن قرار حظر الطيران، أتى ليقدّم هدية من ذهب للفصائل المسلحة العراقية، لأنها ستذهب للتمسّك بسلاحها.. دفاعاً عن حق الشيعة في زيارة المراقد الدينية المقدسة. وعلى الرغم من أن جهود الزيدي لاحتواء غضب الشارع الشيعي.. قد أسفرت عن استثناء مطار النجف من قرار الحظر، لكن مصداقيته السياسية تعرّضت لنيران صديقة من الولايات المتحدة الأمريكية، حتى لو استمر الاستثناء.
كيف يمكن قراءة هذا الصراع الأمريكي-الإيراني المتصاعد في العراق.. على ضوء الخبرة التاريخية العراقية في مرحلة الاستقطاب الدولي؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لتطور هذا الصراع الأمريكي-الإيراني، وانعكاساته على الداخل العراقي وعلى الدول العربية؟ هذا موضوع مقال مقبل.
نقلاً عن «الأهرام»