مصطفى حجازي
«ولأنَّ ليس بعد العين أين».. بعد قرابة اثنتي عشرة سنة من المراوحة في المكان.. تلعثم استراتيجي.. وركاكة سياسية.. رعونة تتلبَّس مسوح الحكمة.. ومكايدات وتشنجات إعلامية، تزجر الداخل القَلِق أكثر منها تطمئنه.. في ظل ضلالات الثأر التاريخي لإثيوبيا.. وفي سياق مؤامرة إقليمية مكتملة، أركانها عرب وعجم.. بُنِي «سدُّ الألفية»، وتم مَلؤهُ، وسقطت أقنعة الزيف كلها؛ فلا السدُّ لإنهاض فقراء الداخل الإثيوبي، ولا لتعاون إقليمي، ولا لتكامل بين دول الحوض؛ بل لِتسخير النهر، وارتهان حياة شعوبه لاحتياجات الطاقة.. لمراكز البيانات، وتعدين العملات المشفرة.
هذا هو الحال اليوم إذاً.. فما خبيئة المستقبل.. قريبهُ وبعيدهُ..؟!
أربعة محاور.. يلزم أن نقرأ من خلالها صفحة القادم؛ بعين الحقيقة لا بعين التمني. وبجديةٍ تليق بجلال التحدي الوجودي.. لا بهزل المكايدة السياسية.
أولها: حقيقة الداخل الإثيوبي.. اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.
ثانيها: تنامي القدرات الإثيوبية، كما شراكاتها الأمنية والجيواستراتيجية المعادية.
ثالثها: المنهج المصري في إدارة الصراع.
رابعها: السيناريوهات المحتملة للسلم والحرب.
إذا أردنا أن نُجمِل حقيقة الداخل الإثيوبي الآن، نستطيع أن نقول إن «أديس أبابا.. عرش واعد، فوق أرض متململة مشتعلة». و«نظام سلطة قوي المركز.. هش الأطراف».
وإن يصخب الخطاب الرسمي في أديس أبابا.. بلغة «الصعود الإقليمي»، و«العملاق الاستوائي القادم».. فإن القراءة المتأنية للداخل الإثيوبي.. تكشف عن دولة تعيش حالة من «توازن الهدم»؛ فنظام آبي أحمد – وإن ليس على شفا انهيار – يبقى أبعد ما يكون عن الاستقرار.
… النسيج الفيدرالي يتفكك. ومن شواهده المؤكدة، ما تم إعلانه في مساء العشرين من سبتمبر الماضي – من طرف سبع حركات إثيوبية مسلحة وسياسية؛ تضم خصوماً تاريخيين – عن تشكيل تحالف.. يهدف صراحة إلى إسقاط حكومة آبي أحمد، وإقامة سلطة انتقالية. وبهذا – ولأول مرة – تنتقل الأزمة الإثيوبية.. من حرب مركزية واحدة، إلى حروب متعددة الجبهات.
نظام أديس أبابا.. قوي بما يكفي للبقاء. وليس قوياً.. بما يكفي لبسط سلطته على كامل البلاد، أو حكمها بفاعلية. نظام.. أقوى من أن يسقط، وأضعف من أن يحكم!
اقتصادياً.. تعاني إثيوبيا من أزمة هيكلية؛ تضخم كاسح، وشح حاد في النقد الأجنبي، وديون تثقل كاهل الموازنة. وعليه، لم يعد «سد الألفية».. مجرد مشروع هندسي لتوليد الكهرباء، بل تحوَّل إلى «مُخدِّر سياسي قومي»؛ الشعار الوحيد.. القادر على تجميع شتات مجتمع ممزق عرقياً، حول فكرة «التحدي الخارجي».
ولكن، وفي ظل معدل نمو استثنائي لافت.. بنحو 9.2%، حتى وإن عجز عن التحول إلى تنمية شاملة.. لا يصح وصف إثيوبيا على كونها دولة منهارة أو عاجزة. ولكنها تظل دولة ضخمة، شديدة الفقر، وقود القدرة الاقتصادية موفور لديها؛ متى تهيأت له الظروف الموضوعية، سيسفر عن وجه مبهج.
أما عن مآلات السلم والحرب، فقد سَوَّقَت إثيوبيا تبجحاً وادعاءً.. بأنها لم تجد من الممانعة ما يردعها عن بناء السد أو ملئه أو افتتاحه. قد يصح بعض ما تروج له إثيوبيا – حال التناول السطحي لمسار الصراع – حيث يُقرأ الصمت الدبلوماسي، أو التجنب المباشر للمواجهة العسكرية.. على أنه «ضعف أو نفاد للبدائل». لكن القراءة الجيوسياسية.. متى كانت واعية بأدواتها، وصادقة مع ذاتها.. فيما أخفقت، وفيما بقيت تملك وتقدر وتريد – والأهم تلك الواعية بعمق التاريخ – تُملي منهجاً.. يعى الفارق بين العجز والعقل، وبين الرعونة وحكمة الإقدام.
وإن تعي القراءة الجيواستراتيجية،أن خيار التعطيل أو العزل العسكري.. قد أُهدِرَ – إرجاءً وتسويفاً – حتى ضاعت لحظته؛ فمن الناحية التقنية والعسكرية، تبقى الإمكانية قائمة دائماً.. في أدبيات الأمن القومي المصري. مع الإقرار بأنه – من الناحية الاستراتيجية – هدم سد بهذا الحجم.. بعد ملئه كلياً، يخلق طوفاناً كارثياً يمسح الخرطوم والمدن السودانية. وهو ثمن لا يمكن للقاهرة أن تُكَبِّدَه لشعب شقيق. ولكن هذا الخيار، يظل «البديل الأخير المرجأ» الذي يلزم أن يُستدعى.. حال حدوث جفاف ممتد (Severe Drought) لسنوات طويلة، تصر فيها إثيوبيا على حجب المياه تماماً، بما يهدد وجود الدولة المصرية كلياً.
حينها فقط، يتحول القرار.. من حاسبة السياسة، إلى فرضية الوجود. ومن حيث إدارة كلفة الصراع – حين تستقيم القرائح وتنضبط الأولويات الاستراتيجية – سيكون «الاستيعاب المائي، والتحويق الجيوسياسي».. مرحلة تمهيد، ولكنها ليست كل الحل.
وأما من حيث الاستيعاب المائي، فالقضية – مرة أخرى – ليست في تقنية التعامل مع نقص وارد مائي، أو ندرته.. من خلال حصافة إدارة السد العالي، أو مشروعات مُلحقة (كتبطين الترع وغيرها).. ولكن في الذود عن قرار مصري، يُراد له الخضوع.. تحت مقصلة الموت عطشاً. وهذا ما لا تستقيم معه الطنطنة بنجاح تقليل الفقد المائي، أو إضافة وارد بتحلية مياه البحار.
وأما من حيث «التحويق الجيوسياسي»، فبالتأكيد.. التحركات المصرية المكثفة في الشرق والقرن الأفريقي – من تعزيز العلاقات العسكرية والأمنية مع الصومال، إلى ترتيبات التوافق مع إريتريا، وزيادة الحضور في حوض النيل – التي أعادت ترسيم خطوط رقعة شطرنج الصراع.. تبقى كلها ضرورية، ولكنها ليست كافية؛ خاصة أن أركان الفعل التآمري (الأصل في مسألة السد) مازالت تعمل بجد.. على كسر إثيوبيا للطوق المصري المحتمل. وآخرها.. الاعتراف الإسرائيلي-الإثيوبي المشترك بإقليم أرض الصومال الانفصالي. ومنح الأخير لكل من إثيوبيا وإسرائيل.. حق تواجد عسكري وتجاري في ميناء بربره. وهو ما يجهض عملياً.. كل خطوات التحويق الجيوسياسي الذي تقوم به القاهرة.
المستقبل لن يشهد اتفاقيات «رومانسية»، أو صكوك تسليم بالسيادة المطلقة، بل قد يتجه نحو «التوافق الواقعي الإجباري» (De facto Operational Agreement)؛ حين تكتشف أديس أبابا.. أن استمرار حالة العداء يرهق اقتصادها، ويحرمها من الاندماج الإقليمي. ولكن، وإن بدا حلاً منطقياً.. فهو غير مستدام؛ حيث تبقى فيه يد إثيوبيا هي العليا. ويبدو الأقرب إلى قبول هدنة المنهزم.. منعاً لتداعيات الصدام العسكري كما أسلفناها.
وعليه، فإن لم تَعمَد مصر إلى اختراقات سيادية – يُمهِد لها «التحويق الجيواستراتيجي» الجاري على الأرض – حال جديته واستدامته؛ اختراقات من شأنها إستدعاء حقوق تاريخية لمصر والسودان، فيما يتجاوز مياه النيل.. إلى بعض جغرافيا سريانه. أو – على الأقل – إدارة الصراع المستقبلي.. على أرضية تجافي العقل البيروقراطي، ومكاتباته ومراسلاته ومساجلاته الورقية الباهتة، الذي تسبب في الولاية المائية لإثيوبيا على النيل.. بحكم الأمر الواقع؛ أرضية تعتمد الخيال السياسي، والجسارة الاستراتيجية، والإبداع في وسائل لإدارة الصراع.
فإثيوبيا – ومن وراءها سَيكملون مسار حصار مصر وجدانياً، قبل مائياً واقتصادياً – من عمق القارة.
الأمر باتٌّ قاطعٌ، فبعد عِقدٍ من المساجلات البيروقراطية الواهمة، لم يعد مجالاً للشك.. في أن «السد» كان كالسيف.. «أصدق أنباء من الكتب»! قالها «أبوتمام». وأجملها «المتنبي»، وهو يسدي لنا حكمة التاريخ.. التي لا تتغير. أن «وضع السيف في موضع الندى مضِرٌّ… كوضع الندى في موضع السيف».
ويكفينا ما كان.
فَكِّرُوا تَصِحُّوا..
نقلاً عن «المصري اليوم»