Times of Egypt

الرحالة العرب واكتشاف أوروبا «1825- 1920»

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبوالغار   

إنجازات الدكتورة الرائدة راندة صبري مستمرة، وآخرها كتاب ممتع نشرته دار «المرايا» حديثاً. كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق» هدم رؤية المستشرقين الأوروبيين عن بلادنا. هو لم ينحز للشرق ولا للإسلام، بل قام بتفكيك الصفات الأخلاقية السلبية.. التي بناها المستشرقون عبر سنوات، وقال إنه آن الأوان لنكتب رأينا في الغرب بقلم الرحالة العرب. 

وترصد د. راندة ما كتبه الرحالة العرب عن الغرب، وكانت بدايتهم برفاعة الطهطاوي. هل هي تؤسس للاستغراب.. مقارنة بالاستشراق؟ 

أول رحالة في الكتاب هو فارس الشدياق.. وكتابه «الساق على الساق» – المنشور في باريس عام 1855 – سيرة ذاتية، بالإضافة إلى أنه من أدب الرحلات والأنثروبولوجيا، مع حس كوميدي. وُلد الشدياق عام 1805 في جبل لبنان لأسرة مارونية، وبسبب تحوُّل أخته إلى البروتستانتية، وغضب رجال الدين.. انتقل إلى مصر، التي عاش فيها بدون مشاكل في حرية طوال عمره. سرد بالتفصيل عادات أهل مالطا.. الذين خالطهم عدة سنوات، وكان نشر الكتاب في فرنسا.. لتفادي أي رقابة، مثلما فعل يعقوب صنوع والشيخ محمد عبده. 

كتب الشدياق أن باريس هي نعيم النساء؛ فالنساء حاضرات في كل عمل وكل مكان، ولهن سلطة على الرجال، ويحسنَّ التوفيق بين شتى المتع، وعندهن خيال حر حول ممارسة الحب. وتحدث عن حبهن للرقص، وفي رأيه أن المرأة الإنجليزية.. تتسم بالصرامة، وليس فيها طابع الدلال. وانتقد الملل في القرية الإنجليزية، وكراهيتهم للأجانب في كمبردج، وأنه كان مثار سخرية هناك. وانتقد مياه الصرف المفتوح في باريس، بينما الصرف تحت الأرض في إنجلترا. وقال إن الأرصفة ضيقة والإضاءة ضعيفة في باريس.. على عكس لندن. وقال إن التجار في لندن مستقيمون.. على عكس تجار باريس. 

سافر عدد كبير من العرب إلى ألمانيا.. مثل اللبناني سليم بسترس، ومن مصر عبدالله فكري باشا، وابنه أمين، والشيخ الباجوري، وأحمد شفيق باشا، إلا أن حسن توفيق العدل.. أقام في ألمانيا خمس سنوات من 1887، وكتب ملاحظاته بالتفصيل عن الحياة الألمانية، وقام بتدريس اللغة العربية وآدابها في جامعة برلين. وبعد عودته إلى القاهرة، كتب في موضوعات جديدة بالنسبة لمصر.. فنشر كتاب «مرشد العائلات إلى تربية البنين والبنات»، متأثراً بالمجتمعين الألماني والسويسري. وكتاب الحركات الرياضية البدنية، وكتب عن الحياة والطبيعة والعمل في ألمانيا، وتحدث عن اشتراك النساء في الحديث، وأن الخمر جزء من الحياة العادية الجادة. وكتب عن التعارض بين الثقافتين العربية والأوروبية، واستغرب «العدل» من تقدم ألمانيا العلمي، بينما تمارس سياسة عنصرية صريحة تجاه مواطنيها اليهود. وحصل على وظيفة أستاذ اللغة العربية في كمبردج، وتوفي هناك عن عمر 42 سنة بعد إنجاز ضخم. 

شهادة أمين فكري ووالده عبدالله فكري عن المعرض الدولي العام.. المقام في استكهولم عام 1889 مهمة جداً، وهذا أول كتاب بالعربية عن شمال أوروبا، وكذلك قدَّم عرضاً عن مؤتمر الاستشراق.. الذي نظمته السويد في نفس العام. وُلد أمين فكري عام 1856، ودرس القانون في فرنسا وأجاد الفرنسية، وكان قاضياً في عصر إسماعيل، ونشر أمين فكري كتابه «إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا»، وترجم كتاباً عن جغرافيا مصر والنوبة في 500 صفحة. وألقى محاضرة في ستوكهولم، ورفض استبدال العامية بالفصحى. وكتب وصفاً لباريس في 300 صفحة، وستوكهولم في 100 صفحة، وفي العودة.. مر على برلين وفيينا. 

أبوه عبدالله فكري باشا طالب بتحويل الكتاتيب إلى مدارس ابتدائية، وفي فترة ثورة عرابي عُين وزيراً للتعليم، وبعد فشل الثورة سُجن، وبعد ذلك عفا عنه الخديو توفيق. 

ويتحدث الكتاب عن تأثير ملابس الرحالة المصريين إلى أوروبا، فقد قرر الأب وابنه في مارسيليا استمرار لبس العمامة، وأثار ذلك اندهاش الفرنسيين. علي مبارك حين انتقل إلى باريس، والتحق بالمدرسة العسكرية وارتدى اللبس العسكري. أما أحمد زكي فكان يلبس الطربوش، وزميله الشيخ راشد كان يلبس جبة وقفطاناً، وكانا محط نظر الجميع، وحين كانا يهمان بدخول كنيسة جنوة، طلب منهما الحارس خلع الطربوش والعمامة، فأفهما الحارس أنه في مصر عيب خلع الطربوش والعمة إلا في المنزل. وقرب نهاية القرن التاسع عشر، قام بعض المصريين في أوروبا بارتداء الزي الغربي، مثل حسن العدل في ألمانيا. 

وأثناء دراسة محمد حسين هيكل في باريس.. للحصول على الدكتوراه، سُئل كثيراً عن جنسيته، وحين كان يقول إنه مصري، يرمقه السائل بنظرة تحوي احتقاراً ناطقاً. أما يعقوب صنوع عام 1878.. فارتدى رداء فرنسياً وقبعة إنجليزية، وأصدر مجلة فكاهية بالعربية والفرنسية، تتهكم على الإنجليز والخديو في مصر. 

يتناول الكتاب الاهتمام بالمطابع والكتب والمكتبات العامة والخاصة.. مع إصلاح التعليم وحركة الترجمة. تأسست مطبعة بولاق عام 1821، وأنشأها نقولا المسابكي.. الذي أرسله محمد علي إلى إيطاليا قبل الطهطاوي بعشر سنوات. وحدث آخر هو مدرسة الألسن وناظرها الطهطاوي، التي ترجمت 2000 كتاب في 40 عاماً، ثم إنشاء دار الكتب الخديوية عام 1870، وزيارة محمد عبده إلى صقلية، وتفقده كتباً عربية نادرة، وزيارة أمين فكري لمكتبة لايدن في هولندا، وأثناء زيارة أحمد زكي باشا إلى باريس – عندما سافر عام 1892 – ركز على زيارة المكتبات والجامعات والمطابع، وطرق تنظيم الكتب والوثائق والمخطوطات، وبدايات الوسائل السمعية البصرية، ونشر كتابه المهم «السفر إلى المؤتمر». 

وتكلم في الكتاب عن أدب الرحلات، وكيف تسربت كلمات عربية إلى الأدب الأوروبي، وتأثير ألف ليلة وليلة على الأدب العالمي. وشرح الكتاب كيف تحولت السيرة الذاتية إلى نوع من الأدب المعترف به. وكان كتاب الطهطاوي «تخليص الإبريز في تلخيص باريس».. هو أول كتاب يتعرف منه المصريون على الحياة في فرنسا. 

وهناك فصل متميز عن زيارة أماكن العبادة في أوروبا، فقد زار الشيخ عياد الطنطاوي روسيا، وزار الكنائس. وكان محايداً في وصفه للأيقونة.. بالرغم من أنه أزهري. ولاحظ أن فقراء روسيا متدينون محافظون، أما الأغنياء والأعيان والنبلاء فهم بعيدون عن الدين. وقام الرحالة المختلفون بوصف عدد كبير من كنائس أوروبا. 

هذا كتاب مهم، يوضح أنه كما كتب الرحالة والمستشرقون الأوروبيون عن الشرق، فقد كتب أيضاً رحالة شرقيون عن الغرب، وكما سُمي هؤلاء مستشرقون، فربما يكون هناك أيضاً مستغربون. 

(قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك).

نقلاً عن «المصري اليوم«

شارك هذه المقالة