محمود محيي الدين
يطيب للرئيس الأمريكس دونالد ترامب.. التوسع في فرض الرسوم الجمركية، كدرع حامٍ للصناعات الأمريكية.. التي تعاني تراجُع تنافسيتها أمام الواردات، وكسيف يواجه به مهددات الصحة العامة.. كتهريب مخدر الفنتانيل، الذي وصفته الإدارة الأمريكية بسلاح دمار شامل، أو يلوِّح به أمام معارضي توجهات.. يراها استراتيجية، كما فعل مع الأوروبيين المعارضين لضم جرينلاند الدنماركية، أو ينذر به من يشرع فى التفكير باستبدال الدولار في المعاملات الدولية.. على نحو ما جرى مع مجموعة «بريكس».
وترى أدوات السياسة الاقتصادية.. كالرسوم الجمركية، تُحشد ضمن ترسانة المواجهات الدولية، متجاوزة أدوارها التقليدية، بعدما تم تسليح الدولار – في خضمّ الصراعات الجيوسياسية – بمنع روسيا من استخدام آلية المدفوعات الدولية المعروفة بـ«سويفت».. كرد فعل للحرب الأوكرانية في عام 2022.
وكما يحدث في المعارك، لا يسلم العتاد الحربي من الإصابة والأذى. فعلى الرغم من استمرار النمو الاقتصادي الأمريكي.. مدفوعاً بمكاسب استثمارات وعوائد الذكاء الاصطناعي، وصعود الأسواق المالية بنحو 15 في المائة في السنة الأولى لولاية ترامب، فإن قيمة الدولار – مقوَّمًا بسلة العملات الرئيسية – تراجعت بنحو 10 في المائة، كرد فعل للصدمات المتوالية للسياسات؛ مثلما حدث بعد إجراءات رفع الرسوم الجمركية التي اتخذت في أبريل 2025.. فيما أطلق عليه «يوم التحرير». وكذلك، نتيجة للانتقاص من شأن مؤسسات.. كان يُنظر لها بإكبار وثقة لما تمتعت به قانونياً وعملياً من استقلال؛ كحال بنك الاحتياطي الفيدرالي.
وترصد مجلة «الإكونوميست» ما تعرَّض له الدولار – بصفته عملة احتياطي دولية – من شد وجذب، على مدار ولاية الرئيس ترامب الثانية حتى الآن، فجعلت «الدولار الخطير» عنواناً لغلافها. والخطورة هنا تأتي بما أُطلق عليه «الدولار الأفعواني».. بحركاته الملتوية؛ التي يصعب التنبؤ بها، أو التحسب لها. فالدولار ينتفض.. متأرجحاً بين سعر وسعر، مع كل إجراء يتخذه، أو يهدد به، الرئيس الأمريكي.. الذي وصف فعله مع الدولار – في حديث أجراه في شهر يناير الماضي – كلعبة «اليويو»، يستطيع أن يرفعه أو يخفضه وفق ما يحب.
فلا عجب – والوضع على هذا النحو – أن ينطلق سعر الذهب.. كملجأ للمضطرين، والباحثين عن ملاذات آمنة، بعيداَ عن تلاعب الأفاعي – أو اللعب باليويو – فيرتفع سعر الذهب لما يتجاوز 5000 دولار للأونصة (بزيادة 75 في المائة في عام واحد). ويستمر رصد حركة الدولار الأفعوانية، كما حدث مع تحديد اسم المرشح كيفين وارش لخلافة رئيس البنك الفيدرالي الحالي جيروم باول، بارتياح للأسواق لاسمه.. مقارنة بآخرين، ثم ينخفض سعر الدولار فجأة بنحو 1.5 في المائة.. مع التهديد بضم جرينلاند، ويرتفع سعر الذهب بما يتجاوز 10 في المائة.
ثم يأتي قرار المحكمة العليا الأمريكية.. المقيد لحرية الرئيس ترامب في فرض الرسوم الجمركية المحبَّبة إليه، واعتبار المحكمة بأغلبية 6 أعضاء ضد 3 من المعارضين، أن استخدام إجراءات الطوارئ.. لفرض رسوم جمركية على الواردات، غير قانوني. فيرتفع سعر الذهب بمقدار 2 في المائة أمام الدولار.. في تعاملات يوم الاثنين الماضي، أمام رد فعل الرئيس الأمريكي، وحالة الغموض التي أعقبت قرار المحكمة، التي نالها من الرئيس ترامب ما نالها؛ من انتقاد لاذع، واتهامات حادة لمن صوَّتوا مع القرار.. بعملهم ضد الصالح الأمريكي، ثم توالت القرارات والتبعات على النحو الآتي:
1 – فرض فوري لرسوم جمركية شاملة في يوم قرار المحكمة ذاته بمقدار 10 في المائة وفقاً لقانون صدر عام 1974، بصلاحية لمدة 150 يومًا.
2 – زيادة الرسوم الجمركية إلى 15 في المائة في أقل من 24 ساعة.
3 – بروز تساؤلات حول مصير أكثر من 130 مليار دولار، تم تحصيلها من المستوردين بشكل غير قانوني، والأرجح أنها ستستغرق فترة طويلة، حتى تُسترَد.. من خلال إجراءات معقدة، ستتصدى لها مكاتب المحاماة وكيلة عن المستوردين الكبار، وأكثر من 200 ألف من المستوردين الصغار.
4 – التأثير السلبي (لرد هذه المتحصلات) على الموازنة الفيدرالية، التي تعاني العجز وتراكم الديون، وكانت إدارة ترامب تعول عليها في تخفيض خدمات الدين.
5 – كثير من علامات الاستفهام.. حول الاتفاقات التي أُبرِمت مع بلدان عدة؛ وفقاً لمنظومة الرسوم السابقة. ومن ثم نادى أعضاء البرلمان الأوروبي.. بإرجاء التصديق على الاتفاق السابق، الذي استغرق جهداً وشهوراً في التفاوض. كما أجَّل الوفد الهندي زيارته لواشنطن.. للتفاوض، حتى تستبين الرؤية حول قانونية الرسوم الجمركية.
لا تغادر عين الإدارة الأمريكية – في وسط هذا كله – ما يرصده المفاوض الصيني من تطورات في واشنطن؛ بخاصة مع اللقاء المرتقب بين رئيسي البلدين آخر شهر مارس المقبل. فقد قيَّدت المحكمة العليا مرونة ترامب في استخدام قانون معين.. لأغراضه الجمركية، ولكن لديه ما يستند إليه من قوانين أخرى، بما في ذلك التحقيق في معاملات تجارية.. باعتبارها غير عادلة أو اتهامها بالإغراق.
وسيستغل المفاوض الأمريكي حتماً.. ما صدر عن صندوق النقد الدولي مؤخراً، من انتقاد صريح وغير معتاد، لنموذج النمو الصيني، وبخاصة تقييم العملة الصينية بأقل من قيمتها.. لدفع الصادرات، فضلاً عن الدعم الصريح لصناعاتها.. داعيا لتخفيضه إلى النصف، مع اتهام الصين بإضرار الآخرين بسياساتها، داعياً إياها للتحول إلى نمو مدفوع بالاستهلاك المحلي.
وفي هذه الأثناء، تبحث الأسواق عن مرساة أو بوصلة هادية لمساراتها، فلا تجد لأي منهما أثراً. فالدولار الأفعواني الحركة.. لا يمنح لمتابعيه لحظات من السكينة، والرسوم التي أمست فزاعة ضارية الأثر.. جعلت الدولار يتلوَّى في كل اتجاه – بلا مسار – حتى حين.
نقلاً عن «الشرق الأوسط»