مصطفى كامل السيد
الوقت لم يحن بعد لاستخلاص أي نتائج.. لما سيسفر عنه العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران. ومع ذلك، ففي حدود ما يتوافر من معلومات مؤكدة، يمكن إثارة بعض القضايا التي قد تفيد في رسم طريق للوطن العربي في المستقبل، وأهمها ما يتعلق بتوصيف ما يجري من حرب على إيران، ومدى الفائدة من وجود قواعد عسكرية في الدول العربية، وما إذا كانت هناك مشروعات عربية لتوقي تكرار هذا العدوان.. على دول عربية أخرى في المستقبل.
عدو إسرائيل اللدود هو التقدم العلمي في أي من دول الشرق الأوسط
العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران هو – بكل تأكيد – لا يقوم على أي أساس قانوني. لم تشكل إيران خطراً داهماً على الولايات المتحدة، ولا على إسرائيل. لم يثبت أي من المتحدثين باسم الحكومتين المعتديتين.. أنه كان لإيران خطط لهجوم على أي منهما. وذكر مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية: أن إيران ليس لديها سلاح نووي، وليس بمقدورها صنعه في الوقت الحاضر. وفضلاً على ذلك، فلو افترضنا أن الحكومة الإيرانية انتهكت التزاماتها – بموجب اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية – فليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل.. اللتان لم توقعا على هذه المعاهدة وتمتلكان أسلحة نووية، هما المخولتين للتدخل باسم المجتمع الدولي.. لوقف مثل هذا الانتهاك إن كان قد حدث.
مثل هذا التوصيف.. لما قامت به هاتان الدولتان كحرب، لا تستند إلى أي أساس من القانون.. هو مهم للتذكير به، في وجه تركيز الإعلام المصري، وتصريحات المسؤولين.. التي تتجاهل هذا الجانب، وتركز فقط على بعض ما أدى إليه من هجوم إيراني على القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، والإعراب عن التضامن مع هذه الدول؛ وهو بكل تأكيد مطلوب ومرغوب، ولكن بشرط وضعه في إطاره الصحيح، وهو أنه أحد تداعيات عدوان على دولة شقيقة.. لا ينبغي شجبه فقط. ولكن استخلاص الدروس النافعة للمستقبل منه.
دواعي تصميم الرئيس الأمريكي على بدء هذه الحرب – التي حذر منها قادة القوات المسلحة وخبراء العلاقات الدولية في الولايات المتحدة ذاتها – واضحة؛ فهو بحاجة لصرف اهتمام الرأي العام الأمريكي.. عن تورطه في الفضائح الجنسية، التي كشف عن بعض ملامحها ما خرج من ملف جيوفري إبستين، وإخفاقه تقريباً في كل المبادرات.. التي تطوَّع بالدخول فيها؛ من تسوية النزاع في أوكرانيا، أو التخلص من ملايين من المهاجرين غير القانونيين في الولايات المتحدة، أو الاستمرار في فرض تعريفات جمركية بالغة الارتفاع.. مع كل شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وذلك افتئاتا على سلطة مجلسي الكونجرس في هذا الخصوص، ورغبته في تحقيق نصر سريع وسهل.. يرفع من حظوظ مرشحي حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي بعد شهور.
ولكن إذا كان كثير من المعلقين في الولايات المتحدة.. يجزمون بأن الذي قاد ترامب للدخول في هذه الحرب – غير مضمونة النتائج – هو رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو.. فلماذا جنَّد نتنياهو كل مهاراته الدبلوماسية وما يملكه من أدوات ضغط على الرئيس الأمريكي.. ليدفعه إلى هذا الطريق؟
طبعاً نتنياهو لديه أيضاً دوافعه الشخصية، فهو يُحاكم بالفعل على تهم فساد، كما أنه يريد أن يغطي على مسؤوليته عن الهزيمة التي ألحقتها «حماس» بإسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وذلك بنصر استراتيجي على من تبقى من أعداء إسرائيل في الشرق الأوسط.. بعد إتمام السيطرة على غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، وإضعاف حزب الله والتمدد في جنوب لبنان، وسقوط نظام الأسد في سوريا.. على يد جماعة لا تمانع في الصلح مع إسرائيل.
موقف إسرائيل من البرنامج النووي الإيراني، هو انعكاس لموقف ثابت.. يخشى من التقدم العلمي في أي دولة عربية أو شرق أوسطية، ويسعى لإجهاضه.. قبل أن يتطور وينتهي بقدرة تكنولوجية واقتصادية وعسكرية، تجعل من أي منها نداً لإسرائيل. والدلائل على ذلك كثيرة، منها موقف إسرائيل من برنامج الصواريخ في مصر، الذي كانت الحكومة المصرية تسعى لتطويره بالتعاون مع علماء ألمان، فجندَّت المخابرات الإسرائيلية عميلاً ألمانياً.. أمدَّها بمعلومات عن هؤلاء العلماء، مما دعاها لإرسال طرود متفجرة لهم، كشفت عنها السلطات المصرية.. بعد تفجر بعضها، ولكنهم غادروا مصر بعدها.
ومن هذه الدلائل كذلك، غارات إسرائيل على المفاعل النووي العراقي في يوليو 1980، ثم انخراط عملائها في اغتيال العلماء العراقيين – الذين عملوا أو اقتربوا من برنامج الأبحاث العلمية العراقية في ظل صدام حسين – وذلك بعد غزو القوات الأمريكية للعراق في مارس 2003، ونشاطها الكثيف بعد ذلك في ملاحقة واغتيال العلماء الإيرانيين المرتبطين ببرنامج إيران النووي.
مخطط «إسرائيل الكبرى» – التي تمتد من النيل إلى الفرات، والذي يراه سفير الولايات المتحدة في إسرائيل.. تلبية لوعد توراتي – لا يستقيم مع وجود دولة أخرى في الشرق الأوسط.. تملك من القدرات العلمية والتكنولوجية.. ما يُمكِّنها من أن تقف نداً لإسرائيل، حتى ولو لم تناصبها العداء. أنظار إسرائيل الآن متوجهة إلى تركيا، ولا شك أنها تتابع عن كثب ما يجري في مصر. وقد كانت بالفعل وراء إثارة مسألة تجربة متواضعة.. أجراها عالم مصري في مفاعل إنشاص النووي منذ عقود، وكانت وراء تحريكها كقضية تستدعي القلق، وذلك في إطار الوكالة الدولية للطاقة النووية.
ما جرى ضد إيران – من جانب إسرائيل، التي تدفع الإدارة الأمريكية وراءها – هو صيحة تحذير للدول التي لديها إمكانية دفع التطور العلمي والتكنولوجي، وليس فقط في مجال الطبيعة النووية، ففروع العلم مترابطة، واستخداماتها العسكرية مفتوحة، والإسرائيليون على وعي حاد بذلك.
قيمة القواعد العسكرية
كان إنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية في الوطن العربي.. شعاراً للحركة القومية العربية في خمسينيات القرن الماضي، إدراكاً من قادة هذه الحركة ..أن هذه القواعد هي أداة ضغط على حكومات الدول التي تتواجد في أراضيها، وأن المقصود بها.. هو استخدامها على النحو الذي يخدم استراتيجيات الدول التي تتبعها هذه القواعد. ولذلك خرجت المظاهرات ضد وجود هذه القواعد في البحرين في مارس 1956، وذلك إبان زيارة وزير الخارجية البريطاني سلوين لويد. وانتهز جمال عبد الناصر فرصة خروج القوات البريطانية والفرنسية من مصر – بعد عدوانهما مع إسرائيل في 1956 – ليلغي اتفاقية الجلاء الموقعة في أكتوبر 1954، التي كانت تمنح بريطانيا حق العودة إلى قاعدتها في منطقة قناة السويس.. في حالة أي عدوان على مصر أو دول الجامعة العربية أو تركيا. ثم توصلت تونس – بعد استقلالها – لإلغاء وجود فرنسا في قاعدة بنزرت في أكتوبر 1963، وهو ما فعله معمر القذافي بعد ثورة الفاتح من سبتمبر 1969، عندما أنهى الوجود البريطاني في قاعدة طبرق.
موقف الدول التي ما زالت تحتفظ بقواعد عسكرية لدول أجنبية – وخصوصاً من الدول الكبرى – يمكن تفسيره بحاجة هذه الدول لضمان أمنها، الذي لا تستطيع تأمينه.. في ظل تهديدات لا تقدر وحدها – بحكم قلة عدد سكانها – أن تواجهها.. من جانب جيران يفوقونها في عدد السكان والقدرات العسكرية. ولكن وجود هذه القواعد.. يعرِّض هذه الدول لمخاطر لم تكن تتصورها، عندما تستخدم هذه القواعد مباشرة – أو بطريقة غير مباشرة – في الاعتداء على دول مجاورة. فهل تضمن ألا تستهدف هذه الدول – التي تعرَّضت لعدوان انطلاقاً من هذه القواعد، أو بمساعدة منها – هذه القواعد تحديداً، أو حتى منشآت مجاورة تخدمها؟ وما هو موقف الدول التي توجد على أرضها هذه القواعد.. عندما تثبت التجربة أن هذه القواعد لم تقم بالمهمة المتوقعة منها، وهي الدفاع عن هذه البلاد عندما تتعرَّض لعدوان؟
التضامن مع دول الخليج الشقيقة.. هو واجب أخلاقي، ومشروع قانوناً.. كما تقتضيه المصلحة المصرية والعربية، ولكن لا شك أن هذه الأسئلة تراود عقول المثقفين الخليجيين كذلك.
هل هناك من رادع للعدوانية الإسرائيلية؟
على الرغم من البون الشاسع بين القدرات العلمية والتكنولوجية والعسكرية التي تملكها إسرائيل – عدو التقدم العربي في أي مجال – وما تملكه الدول العربية من قدرات، إلا أن فقر العقل العربي، وعجز الإرادة، والتمسك بالحلول الفردية.. من جانب كل دولة، لن يؤدي إلى وقف شهية إسرائيل عن تحقيق مشروعها التوسعي؛ الذي يشمل السعودية، كما يشمل مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق.
ليس هنا مجال التفصيل. ليس أقل من التحالف العسكري.. سبيلاً للوقوف أمام هذا المخطط. كانت هناك في الماضي قيادة عسكرية مشتركة في ظل الجامعة العربية في 1964، وطرحت فكرة إعلان دمشق في مارس 1991.. في أعقاب الغزو الصدامي للكويت في 1990. لكن القيادة العسكرية المشتركة لم تستمر. وكان التعاون بين مصر وسوريا وراء النجاحات الأولية في حرب أكتوبر 1973، ولكن لم تعد مثل هذه الأفكار تتردد في الوقت الحاضر، لكنها تكتسب أهمية أمام هذا العجز العربي عن مواجهة إسرائيل.
صحيح أن كل هذه الدول لا تستطيع – في الوقت الحاضر – مجاراة التفوق الإسرائيلي في مجال استخدامات العلم والتكنولوجيا المتقدمة.. في أغراض الدفاع وأمور أخرى، ولكن العلم يفتح أيضاً أبواباً لمواجهة الصواريخ والأسلحة المتقدمة. فقد ابتكرت كل من تركيا وإيران مُسيَّرات.. احتاجتها روسيا، واستطاعت المقاومة الفيتنامية هزيمة الولايات المتحدة، رغم الفارق الشاسع بين الطرفين.
التحالف العسكري العربي.. مع تركيا وإيران، مصحوباً بإحراز التقدم في مجال العلم، وإدارة نظم الحكم.. على أساس من الرشادة، يفتح الباب أمام بناء رادع.. في مواجهة عدو لا يريد أي تقدم لأي دولة أخرى في الشرق الأوسط.
نقلاً عن «الشروق»