تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الحرب الإيرانية عند الفلاسفة

M.Adam

د.عصام عبدالفتاح

تتعدد القراءات السياسية.. حول الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر. لكن السؤال المُلح هنا هو: ما هو السيناريو المرجَّح لنهاية هذه الحرب.. في وقت يشتد فيه التصعيد عبر التصريحات الصادرة من المتحاربين؟ فـ«ترامب» – في خطاباته – عاقد العزم على تكثيف ضرباته على إيران، وتدمير بنيتها التحتية؟ والحكومة الإيرانية.. تتوعد واشنطن بدك قواعدها المنتشرة في دول الخليج العربي. 

وتشير تطورات الأحداث – في ضوء البيانات الواردة حولها – إلى أن السيناريو المرجَّح.. يتمثل في إمكانية حدوث استقرار، لن يفضى إلى تسوية حقيقية للأزمة. وإنما سيكون استقراراً.. قائماً على توازن ردعي، تتخلله فترات من الهدوء النسبي، تعقبها موجات متكررة من التوتر والتصعيد، ومفاوضات محدودة الأثر.. بدلاً من حسم عسكري كامل، لصالح طرف دون آخر. 

ولعل من المفيد.. إزاء هذا المشهد الغائم، أن نستعين ببعض الأفكار الفلسفية المعمقة.. لمفهوم الحرب، وهي أفكار تتجاوز الاهتمام بأبعادها الاستراتيجية. فقد شُغل كبار الفلاسفة بمفاهيم.. الحرب والصراع والعنف، والأسس الفلسفية التي تقوم عليها. وعلاقة السلطة بالنظام الدولي. 

إن المشهد الحالي للحرب الدائرة، وأطرافها.. يمكن تفسيره بصورة مبسطة على النحو الآتي؛ طرف أول: يضم إسرائيل والولايات المتحدة معاً. الأولى منهما – أي إسرائيل – تسعى إلى منع ظهور قوة نووية معادية لها، تهدد أمنها ووجودها. والثانية – وهي الولايات المتحدة – تساند إسرائيل.. مساندة عمياء، وفي نفس الوقت.. تسعى إلى الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط. أما الطرف الثاني: أي إيران، فترمى إلى اكتساب قدرة ردعية.. تكفل لها حماية نظامها السياسي، وتعزيز مكانتها الإقليمية. 

من منظور الفلسفة السياسية الواقعية – ومن أشهر أقطابها ميكيافيلي، وتوماس هوبز، وهانز مورجنتاو – ليست الحرب فعلاً أخلاقياً، ولا فعلاً لا أخلاقياً.. في ذاتها؛ وإنما هي تعبير طبيعي عن الصراع من أجل القوة والنفوذ. وتلعب الخطابات الدينية والأيديولوجية دوراً ثانوياً فيها؛ فهي مجرد غطاء.. يخفي النوايا الحقيقية للمتحاربين. بينما يكون المحرك الحقيقي لأحداث الصراع.. ميزان القوى، وما يفرضه من اعتبارات استراتيجية. 

وتنتهي الحرب – وفق هذا المنظور – حينما تصبح كلفة وعبئاً؛ بحيث يتجاوز استمرارها.. المكاسب المرجوة منها. 

وفي ضوء الفلسفة الهيجلية، يمكن النظر إلى الحرب الإيرانية-الأمريكية.. بوصفها لحظة من اللحظات التاريخية الحاسمة، التي يعيد التاريخ – من خلالها – تشكيل النظام العالمي؛ فقد تمهد لنهاية نظام عالمي.. تشكل في أعقاب الحرب الباردة، وبداية لظهور توازن جديد.. تتقاسم النفوذ فيه قوى متعددة كالصين وروسيا وغيرهما. وبعبارة أخرى.. ليست هذه الحرب حادثاً عارضاً، وإنما مرحلة انتقالية.. ضرورية لولادة نظام عالمي جديد.

ومن المنظور الماركسي، لا يمكن فهم الحروب.. إلا من خلال المصالح الاقتصادية، وما يرتبط بها من عناصر جوهرية؛ مثل موارد الطاقة، والممرات التجارية الحيوية، والتنافس الشديد بين القوى الاقتصادية الكبرى. وتستخدم الأيديولوجيا الدينية.. أداة لحشد الجماهير وتعبئتها، دون أن تكون سبباً جوهرياً للصراع. ولئن عالجت التيارات السابقة مفهوم الحرب.. بوصفها انعكاساً لصراع المصالح والنفوذ والقوى الاقتصادية، أو عاملاً مهماً لحركة التاريخ.. فثمة فلاسفة آخرون يكنون عداء شديداً لفكرة الحرب، مثل كانط وحنة أرنت؛ يعتبر كانط الحرب دليلاً قاطعاً.. على إخفاق الدبلوماسية والعقل السياسي. وأن السبيل الوحيد لمنع تكرار الحروب.. يتمثل في إقامة تعاون دائم بين الدول، يستند إلى القانون والمؤسسات المشتركة، إلى أن يفي في النهاية إلى سلام مستقر. 

أما أرنت، فتؤكد أن العنف قد ينجح في تدمير السلطة السياسية، لكنه يظل دوماً.. عاجزاً عن تأسيس سلام دائم، ونظام سياسي مستقر. ومن ثم فإن اللجوء إلى القوة العسكرية – مهما كانت مكاسبه الآنية – لا يمكنه بناء تسويات سياسية.. لمعالجة النزاعات من جذورها، وإرساء السلام والاستقرر. 

أما عن مفهوم الحرب – عند أبرز منظريها في القرن الـ 20، وهو الفيلسوف الألماني كارل شميت (1888- 1985) – فإن أطروحاته تقوم على مبدأ بسيط، عميق الدلالة.. يقول: «إن المجال السياسي يبدأ.. منذ اللحظة التي تميز فيها جماعة بشرية.. بين الصديق والعدو». ومفهوم «العدو» عند شميت هنا.. لا يعني خصماً منحطاً أخلاقياً؛ بل هو الطرف الذي يُنظَرُ إلى وجوده.. بوصفه تهديداً لكيان الجماعة السياسية وبقائها. وهكذا نظرة إسرائيل إلى النظام الإيراني، الذي يدعم الجماعات المسلحة المناوئة لها، ويرعبها برنامجه النووي. 

هذه القناعة عند شميت، كافية – في ذاتها – لتشكيل العقيدة الأمنية الإسرائيلية؛ لأن تصور العدو في الذهن، يسبق السياسات ويوجهها. 

وبالنسبة لإيران، فهي ترى في الولايات المتحدة.. القوة الرئيسية، التي ترعى نظاماً إقليمياً تعارضه طهران، وتعتبر إسرائيل أحد أعمدة وأذرع ذلك النظام. 

وفقاً لذلك يصوغ كل طرف هويته السياسية.. من خلال تعريف خصمه بوصفه عدواً. وهذا – في رأي شميت – من صميم ماهية السياسة، وليس انحرافاً عنها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة