عبدالله السناوي
بحكم الصراعات.. المزمنة في بنيتها الداخلية، لم تكن المواجهات المسلحة في أرجاء إثيوبيا مفاجئة، أو مستغربة.
إنها موجة جديدة من الاقتتال الأهلي قبلياً وعرقياً.
طرحت تساؤلات جوهرية.. عن حقيقتها وتداعياتها المحتملة على أزمتين كبيرتين؛ تدخلان في الشواغل المصرية الضاغطة والملحة.
أولاهما: النزاع الإثيوبي الحاد مع دولتي المصب.. مصر والسودان، على خلفية الانتهاء من بناء سد النهضة، دون اتفاق قانوني ملزم.
هذه قضية وجودية بالنسبة لمصر، التي تعتمد كلياً على مياه النيل.. لتلبية احتياجاتها في الشرب والزراعة.
وثانيتهما: النزاع الجيو استراتيجي في القرن الإفريقي، وعلى استراتيجية البحر الأحمر. وقد عبَّر عن نفسه في مواجهات ومنازعات.. أخذت مداها بمشروعات الانفصال في الصومال والسودان واليمن، وكلها تجري.. بتحريض إسرائيلي معلن وظاهر، وتداخل أطراف.. يُفترض أنها شقيقة، تعمل وفق أجندته ومصالحه.
هذه قضية أمن قومي.. على درجة عالية من الخطورة.
لإريتريا مخاوف معلنة.. من أن تكون المواجهات الداخلية المسلحة، مقدمة لانتزاع منفذ بحري لأثيوبيا على البحر الأحمر، إذا نجحت حكومة «آبي أحمد» – بدعم إسرائيلي – في إجهاض التمرد العسكري.
منذ وصوله إلى السلطة عام (2018)، تكررت دعواته لانتزاع منفذ بحري.. على حساب إريتريا.
في (26) ديسمبر (2025)، كانت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بأرض الصومال لاند.
طُرحت على الفور.. مسألة المنفذ البحري، الذي تحتاجه أثيوبيا بفداحة، كما إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية.
تحركت مصر سريعاً.. لوأد هذا السيناريو بالغ الخطورة، لكن التفاعلات سائلة، وكل السيناريوهات محتملة.
لا يمكن لمصر أن تتجاهل ما يحدث في أثيوبيا، وما حولها. وإلا فإنه تفريط بأبسط مقتضيات وجودها وأمنها معاً.
التنبه ضروري للغاية.. بكل حساب، والانزلاق دون تحسب في المستنقع الأثيوبي.. مخاطره ماثلة.
في مقاربة الاتحاد الإفريقي للحرب الأهلية الإثيوبية – ومقره أديس أبابا – دعا مصر وإريتريا وإثيوبيا.. إلى «أقصى درجات ضبط النفس»، مبدياً استعداده للوساطة السياسية بين الدول الثلاث.
كان ذلك انحيازاً للرواية الإثيوبية.. للحرب الأهلية فوق أراضيها، التي تنزع عنها أسبابها الداخلية، وتعزوها مطلقا إلى خلافات حدودية مزمنة مع إريتريا، وخلافات أخرى بشأن مياه النيل مع مصر.
رغم نفي مصر القاطع.. لأي تداخل في الحرب الأهلية الأثيوبية، فهناك إدراك ما.. أن أية تداعيات داخلية تضعف حكومة «آبي أحمد»، يضفي على خطابها السياسي قوة، وصدقية.. افتقدتها من طول التحذير والتلويح بالخطوط الحمراء، دون فعل يردع.
في منتدى العلمين الإفريقي – الذي تزامن مع الحوادث الإثيوبية – بدا الموقف المصري (المعتاد والتقليدي).. أكثر قوة وتماسكاً، وإقناعاً.. عن أية مرة سابقة: «أن حقوق مصر ومصالحها المائية، تمثل قضية وجودية. وأن الإجراءات الأحادية – التي تمس مصالح دولتي المصب – لا يمكن قبولها».
التوظيف السياسي.. مشروع تماماً، لخفض مستوى التعالي الأثيوبي غير المبرر وغير المقبول.
لم يكن معقولاً اتهام مصر.. بأنها بنت السد العالي، دون إذن مسبق من إثيوبيا!
مصر دولة مصب. والكلام على هذا النحو.. فيه استهتار بالمنطق، لكنه جاء في سياق اتهامها – دون دليل – بالعمل على إثارة النزاعات الداخلية، لتقوية موقفها التفاوضي.. في أزمة سد النهضة، الذي أصبح أمراً واقعاً منذ أكتوبر (2025).
يتلخص النزاع حالياً حول قواعد تشغيل سد «النهضة»، والتصرفات الإثيوبية المستقبلية على النيل الأزرق، حيث تعتزم حكومة «آبي أحمد».. بناء مشروعات كهرومائية أخرى إضافية.
لسنوات طويلة، أرجع الخطاب الدبلوماسي المصري إخفاق جولات التفاوض – واحدة إثر أخرى – إلى غياب الإرادة السياسية عند الإثيوبيين.
الحقيقة، كانت المماطلة الأثيوبية تعبيراً عن إرادة سياسية – لا عن غيابها – حتى تحكم الحصار المائي على مصر، ويكون ممكناً في وقت لاحق.. إخضاعها لدعوات شراء الماء، أو تمريره بصفقة أخرى إلى إسرائيل.. التي تعاني من شح مائي.
في الوقت نفسه، ترددت اتهامات أخرى لإريتريا، عزت قوة التمرد العسكري.. إلى انضمامها بالقوات والأسلحة الثقيلة لجبهة «التيجراي» – وحلفائها – في الحرب على الحكومة الفيدرالية، التي يقودها رئيس الوزراء «آبي أحمد».
هكذا أعفت الحكومة الإثيوبية نفسها.. من كل حساب ومسؤولية عن تقصيرها الفادح.. في إدارة الأزمات الكامنة والمزمنة، التي تنفجر مرة بعد أخرى.
يراد الآن، أن تلقى مسؤولية التدهور الأمني الأثيوبي على مصر، وحليفتها إريتريا.. للهروب من تداعيات الفشل.
طردت أديس أبابا دبلوماسياً مصرياً بغير حيثيات، وردَّت القاهرة بالمثل – وفق الأعراف الدولية – وقطعت (إثيوبيا) في نفس الوقت علاقاتها الدبلوماسية مع إريتريا.. التي لجأت إلى نفس الإجراء.
كان ذلك تصعيداً مقصوداً.. لتصوير الحرب الأهلية الداخلية؛ كأنها مؤامرة لإسقاط حكومة «آبي أحمد»، لا تعبيراً عن فشلها الذريع.. في الحفاظ على الوحدة الداخلية؛ في بلد متعدد الأعراق، وله تاريخ طويل من الصراعات والحروب الداخلية والانقلابات في بنية الحكم.
المثير في القصة الأثيوبية المستجدة، أن الرجل الذي يتحمل المسؤولية السياسية والعسكرية – قبل غيره – بالتصدع الداخلي، حصل على «جائزة نوبل للسلام» عام (2019) – بعد صعوده للسلطة بعام واحد – لـ«جهوده في تحقيق السلام، ومبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودي مع إريتريا»!!
كان ذلك تحليقاً في الأوهام، التي لا تقف على أي أرض.
أخفقت «رهانات نوبل».. على «آبي أحمد»، فيما حققت الرهانات الإسرائيلية عليه.. اختراقاً خطراً، في سعيه لحصار مصر وجودياً واستراتيجياً.
لم تتردد في إمداده بالسلاح مباشرة، أو عبر حلفاء من المنطقة، لوقف صعود معارضيه من «جبهة التجراي» وحلفائها.
الصراع ما يزال محتدماً، وتداعياته تتفاعل تحت الأفق السياسي.. المشتعل بالنيران والمخاطر.
نقلاً عن «الشروق»