سعت إيران من خلال إطلاق صاروخين بالستيين نحو قاعدة دييغو غارسيا الواقعة في المحيط الهندي على مسافة نحو أربعة آلاف كيلومتر من سواحلها، الى توجيه رسالة مفادها أنها تحتفظ بقدرات عسكرية استراتيجية بعد ثلاثة أسابيع من بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، وفق تقدير خبراء.
وفاجأ مضي إيران نحو هذا الإطلاق معظم المحللين الذين كانوا يقدّرون بأن مديات الصواريخ الإيرانية لا تتجاوز في أفضل الأحوال ثلاثة آلاف كيلومتر. ورغم أن هذا الإطلاق قد يعدّ إنجازا على الصعيد العسكري في ظل الضربات المتواصلة على الجمهورية الإسلامية منذ 28 شباط/فبراير، لكن من المستبعد أن يكون له تأثير كبير في مجرى الحرب.
أكد مصدر رسمي بريطاني لوكالة فرانس برس السبت أن إيران حاولت “من دون جدوى” الجمعة توجيه ضربة إلى دييغو غارسيا، وهي إحدى قاعدتين سمحت لندن لواشنطن باستخدامهما في عمليات “دفاعية” في إيران.
وكتب إتيان ماركوز من “مؤسسة البحث الاستراتيجي” على إكس “إن إطلاق صاروخين باليستيين إيرانيين من الصواريخ متوسطة المدى على دييغو غارسيا حدث لافت، لأن الجزيرة البريطانية التي تستخدمها القوات المسلحة الأميركية تقع على بُعد نحو أربعة آلاف كيلومتر من السواحل الإيرانية، أي أبعد من المدى الأقصى الذي كان يُقدَّر حتى الآن للصواريخ الإيرانية”.
وكانت التقديرات بأن المدى الأقصى للصواريخ الإيرانية المتوسطة المدى يبلغ ثلاثة آلاف كيلومتر. وأشار مختبر الصواريخ التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن صاروخين من هذه الفئة، وهما خرمشهر وسجّيل، لديهما مدى أقصى يبلغ ألفي كلم.
ويوضح ماركوز أن الإطلاق نحو دييغو غارسيا “يمكن أن يُفسَّر باستخدام نسخة ذات رأس أخف وزنا من صاروخ خرمشهر-4، الذي يحمل عادةً رأسا بزنة طن واحد”.
يضيف “كلما كانت الحمولة أقل، زاد مدى الصاروخ”.
ووافق خبراء آخرون هذا الرأي، ومنهم علي واعظ المسؤول عن إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”. وقال “عبر التلاعب بوزن الرأس الحربي، تستطيع إيران زيادة مدى بعض صواريخها”.
– “رسالة استراتيجية” –
في المقابل، يرجح بعض الباحثين أن تكون إيران قد طوّرت صواريخ بمديات تتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر من دون أن تعلن عنها. ولطالما بقي المدى الأقصى للصواريخ الإيرانية، بحسب التصريحات المعلنة من طهران، عند ألفي كيلومتر.
ويقدّر الباحث توم شارب من المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني، بأن طهران “لطالما امتلكت صواريخ بهذا المدى” دون كشف ذلك.
ويضيف لوكالة فرانس برس أن ذلك يُظهر أن القوات العسكرية “لا تزال قادرة على تحريك منصات إطلاق متنقلة من دون رصدها، ووضعها في مواقعها، وإطلاق النار من دون أن تُصاب” بالغارات الأميركية والإسرائيلية.
ويرى خبراء أن العملية لم يكن هدفها الاستعراض بمحاولة إصابة هدف بعيد، بل يكمن في توجيه رسالة في إطار التجاذب الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل: فمن خلال إظهار قدرتها على الضرب من مسافات بعيدة للغاية، تحاول طهران استعادة موقعها الذي زعزعه القصف المتواصل الذي تتعرّض له.
ويقول ماركوز إن إطلاق الصاروخين “استعراض للقوة وإشارة سياسية تُظهر أن لدى إيران قدرات سرّية ما زالت موجودة، أقله تجاه الرأي العام. لكن المصلحة العسكرية بالمعنى الحرفي للكلمة تبقى محدودة جداً”.
ويؤكد واعظ لفرانس برس أن هذه الضربة “ليست ذات فائدة ميدانية في أرض المعركة، بقدر ما هي رسالة استراتيجية، إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل مفادها أن سوء تقدير تصميم إيران وقدراتها قد يثبت أنه خطأ مكلف”.
– قدر أقل من الحذر –
من جهته، يرى المحلل داني سيتريونوفيتش من “معهد دراسات الأمن القومي” في تل أبيب، أن الإطلاق يكشف جانبا من بنية السلطة في إيران حاليا، بعد تصفية عدد كبير من القادة الأساسيين خلال هذه الحرب، على رأسهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وكتب على “إكس” أن العملية “نتيجة مباشرة لتغيّر ميزان القوى في إيران، لا سيما الهيمنة المتنامية” للحرس الثوري وتداعيات قتل خامنئي في اليوم الأول من الهجوم في 28 شباط/فبراير.
أضاف “رغم عدائه العقائدي العميق للغرب، تحلّى خامنئي بدرجة عالية من الحذر في استخدام القدرات الإيرانية. هذا القدر من ضبط النفس لم يعد مضمونا”، مرجحا أن تتصرف إيران “بصورة أقل كطرف حذر يحسب خطواته كما عرفناه، وأكثر كمنظومة مستعدة للمخاطرة، على غرار كوريا الشمالية”.