قال الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء إن الحكومة تضع في اعتبارها احتمال استمرار الحرب لبضعة أشهر، ولذلك تجري نقاشات مستفيضة لاتخاذ إجراءات تضمن تخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك دون المساس بحركة الاقتصاد وقوته، لافتاً إلى القرارات المتخذة قبيل عيد الفطر بتبكير موعد غلق المحال التجارية والمطاعم والمقاهي والمراكز التجارية (المولات) لتكون في تمام التاسعة مساءً خلال أيام الأسبوع، والعاشرة مساءً يومي الخميس والجمعة.
جاء ذلك خلال عقده مؤتمراً صحفياً موسعاً اليوم بمقر الحكومة بشارع قصر العيني، بحضور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، وأحمد كجوك، وزير المالية، والمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، وضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، والدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، وعدد من المسئولين.
وحول ما أثير من لغط بشأن هذه القرارات، أوضح رئيس مجلس الوزراء أن القواعد التنظيمية الأصلية كانت تنص على الغلق في العاشرة مساءً حتى شهر أبريل، وأن التعديل الجديد لم يتضمن سوى تبكير الموعد بمقدار ساعة واحدة فقط، مؤكداً أن هذا الإجراء ضروري في ظل الوضع الحالي لخفض فاتورة الاستهلاك، مختتماً توضيحه في هذا الشأن بقوله: “أود أن أوضح بخصوص ما يثار حول جدوى هذه القرارات في توفير الكهرباء؛ فالأمر لا يقتصر على استهلاك الطاقة الكهربائية فحسب، بل يمتد ليشمل تقليل حركة المركبات التي يستخدمها المواطنون للذهاب لهذه الأماكن، مما يسهم بشكل مباشر في خفض فاتورة استهلاك الوقود للدولة”.
وتابع قائلاً: “ما هي المدة المتوقعة؟ إننا نتحدث عن شهر واحد”، لافتاً إلى أن الحكومة تمتلك تقديرات محددة أعدها وزيرا الكهرباء والبترول حول حجم الوفر المتوقع من القرارات المتخذة، مشدداً على أن نجاح هذه الخطوات مرهون بتكاتف الجميع في التنفيذ.
وأكد رئيس مجلس الوزراء أن الحكومة تتبع سياسة التدرج في اتخاذ القرارات لضمان عدم تحميل المواطن أعباء إضافية أو تغيير نمط الحياة المعتاد قدر الإمكان، محذراً في الوقت ذاته: “أنه في حال استمرار هذه الأزمة لفترة أطول -لا قدر الله- سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا”، موضحاً أن هذا التدرج يهدف لمنح مساحة للاستمرار بالمنوال الحالي لأطول فترة ممكنة، على أمل توقف الحرب وعودة الأمور لطبيعتها.
وفي إطار الإجراءات المتخذة لترشيد الإنفاق الحكومي، استعرض الدكتور مصطفى مدبولي القرارات التي بدأ تفعيلها، ومنها تخفيض إنارة الشوارع واللوحات الإعلانية إلى الثلث، وإغلاق الحي الحكومي في تمام الساعة السادسة مساءً، مع صدور كتب دورية تنظم مواصفات الأجهزة الكهربائية والإضاءة لترشيد الاستهلاك، كاشفاً عن دراسة الحكومة لتطبيق نظام “العمل عن بعد” كإجراء إضافي.
وشدد رئيس مجلس الوزراء على أن الحكومة بدأت بنفسها في تنفيذ إجراءات حازمة لخفض فاتورة استهلاك السولار والبنزين، حيث أعلن عن قرارين جوهريين يبدأ تفعيلهما فوراً؛ أولهما “الإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين” لمدة شهرين على الأقل، مع تكليف الوزراء بحصر تلك المشروعات، أما القرار الثاني فتمثل في التوجيه الفوري بخصم وتخفيض مخصصات الوقود لكافة السيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30%، حيث أوضح رئيس مجلس الوزراء آلية التنفيذ بقوله: “ببساطة شديدة، فإن المخصصات المالية التي كان يوجهها وزير المالية لجهة ما، ولتكن مائة جنيه على سبيل المثال، سيتم تخفيضها لتصل إلى سبعين جنيهاً فقط”، مؤكداً أن كافة الجهات الحكومية ملزمة بإعادة ضبط منظومة التوفير وفق هذه المخصصات الجديدة.
وفي إطار إجراءات ترشيد الإنفاق، أشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أنه سبق تكليف وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بدراسة إمكانية تحقيق وفر في استهلاك الطاقة والوقود حال تنفيذ مقترح “العمل عن بعد”، لافتاً إلى أن تشغيل المباني الحكومية لا يقتصر على استهلاك الطاقة داخلها فحسب، بل يمتد ليشمل حركة وسائل النقل العام والخاص المرتبطة بها، مؤكداً أنه “قد تبين وجود فارق كبير ووفر حقيقي يمكن تحقيقه، وهو ما تم قياسه فعلياً خلال فترات العطلات والإجازات، مثل أيام السبت أو الإجازات الموسمية”.
وفي هذا الصدد، أعلن رئيس مجلس الوزراء أنه تم التوافق على بدء تفعيل “منظومة العمل عن بعد” يوم الأحد من كل أسبوع، اعتباراً من أول شهر أبريل القادم، ولمدة شهر، وذلك بجميع مؤسسات الدولة، مستثنياً القطاعات الإنتاجية والخدمية. وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن المنظومة ستطبق على المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، مع استثناء عدد من المنشآت الحيوية التي لا يمكن أن تعمل وفق هذا النظام، وهي: المصانع، الخدمات العامة، محطات المياه، محطات الغاز، محطات الصرف الصحي، والمستشفيات، وكافة الخدمات الرئيسية الضرورية.
أما فيما يخص المدارس والجامعات، فقد كشف رئيس مجلس الوزراء عن نتائج التنسيق مع وزيري التربية والتعليم والتعليم العالي، حيث تم التوافق على عدم تطبيق منظومة العمل عن بعد في المدارس والجامعات؛ نظراً لأن الفترة المتبقية من العام الدراسي قصيرة وتقدر بنحو شهر ونصف، ولتجنب أي تأثير سلبي على العملية التعليمية في هذه المرحلة، بينما ستلتزم باقي القطاعات الحكومية والخاصة بالعمل عن بعد يوم الأحد أسبوعياً.
وحول آليات التنفيذ، استشهد الدكتور مصطفى مدبولي بالمنظومة المماثلة التي طُبقت خلال جائحة “كورونا”، حيث تضع كل جهة آلياتها الخاصة للعمل عن بعد بما يتوافق مع طبيعة نشاطها، لافتاً إلى صعوبة تنفيذ المنظومة في قطاعات خدمية معينة مثل السكك الحديدية ومترو الأنفاق. كما نوه رئيس مجلس الوزراء بأن القطاع الخاص قد تبنى هذا النهج منذ الجائحة وما زال مستمراً في تطبيقه داخل بعض الشركات والكيانات الكبرى.
وأنهي رئيس الوزراء هذا المحور بالتأكيد على أن البدء بتطبيق المنظومة سيكون ليوم واحد أسبوعياً، مشدداً على أنه: “في حال استمرار الأزمة الإقليمية الحالية، ستتم دراسة إمكانية إضافة يوم آخر”، مؤكداً أن الحكومة تتعامل مع الأزمة الراهنة بمنهجية متدرجة تضمن الحفاظ على منظومة الإنتاج واستمرار عملية التنمية دون إحداث أي بلبلة.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة المصرية تعيش مرحلة مغايرة تماماً لما شهدته خلال عامي 2023 و2024، مفسراً ذلك بقوله: “إننا اليوم في وضع مختلف كلياً عما واجهناه سابقاً؛ حيث كانت هناك أزمة حادة في العملة الصعبة أدت لتعذر تدبير المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، أما اليوم فإن تأكيدات اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات تشير إلى توافر مخزون من المواد الخام والمستلزمات يكفي لعدة أشهر قادمة”، كما لفت رئيس مجلس الوزراء في هذا الصدد إلى قطاع صناعة الدواء، حيث أكدت المراجعة مع وزير الصحة والسكان توافر مواد خام ومستلزمات انتاج تكفي لفترة تتراوح ما بين 12 إلى 16 شهرًا.
وفي ذات السياق، أشار رئيس مجلس الوزراء إلى جهود القطاع المصرفي في تدبير مختلف متطلبات العملة الصعبة لكافة القطاعات، موضحاً سعي الدولة لاستمرار استقرار الوضع الاقتصادي رغم تأثر بعض الموارد بظروف الحرب، حيث تتجه كافة الجهود لضمان استمرار دوران عجلة الاقتصاد والإنتاج.
ونوه الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن اجتماع مجلس الوزراء، الذي استمر لنحو سبع ساعات ونصف، شهد استعراض الموازنة العامة للدولة للعام المالي القادم 2026/2027، مؤكداً أنها تستهدف تحقيق مجموعة كبيرة من الأرقام والمعدلات على مسار الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الدولة ونجحت في تحقيق العديد من مؤشراته قبل حدوث الحرب الحالية وتداعياتها.
وأوضح رئيس مجلس الوزراء أن الموازنة الجديدة تركز على الانحياز للمواطن، وقطاع الاستثمار، والقطاع الخاص بصورة كبيرة جداً، لافتاً إلى أنها تستهدف تحقيق زيادة تصل إلى 27.6% في الإيرادات العامة لتصل جملة الإيرادات إلى أكثر من 4 تريليونات جنيه، فيما تصل نسبة الزيادة في المصروفات إلى 13.2%، وهي نسبة تقل عن النصف مقارنة بزيادة الإيرادات العامة، حيث أكد الدكتور مصطفى مدبولي: “أن هذا هو التوجه الاستراتيجي الهام الذي تسعى الدولة لتحقيقه، من خلال نمو الإيرادات بمعدلات تفوق المصروفات، وصولاً إلى التوازن المنشود في المدى الزمني القريب”.
كما نوه رئيس مجلس الوزراء في هذا السياق إلى أن برنامج الإصلاح يستهدف الوصول بالفائض الأولي للموازنة في العام المالي القادم 2026/2027 إلى 5%، وهو ما يعد أعلى فائض تحقق في تاريخ مصر ومن أعلى الفوائض عالمياً، حيث يقدر بنحو 1.2 تريليون جنيه، موضحاً أن الفائض الأولي يعني تجاوز الإيرادات للمصروفات بمقدار 1.2 تريليون جنيه بعد استبعاد خدمة الدين والفوائد.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى استهداف خفض العجز الكلي لأول مرة إلى أقل من 5%، وتحديداً الوصول إلى 4.9% خلال العام القادم، بعد أن كان يصل إلى 11% خلال السنوات السابقة، مؤكداً أن ذلك يعكس الوصول لمرحلة “الاقتصاد الصحي”.
واختتم رئيس مجلس الوزراء ملامح الموازنة بالتأكيد على أن الشق الاستثماري للعام القادم سيركز بشكل أكبر على تنفيذ مشروعات المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، والتوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، فضلاً عن وضع برامج الحماية الاجتماعية كأولوية قصوى لدعم مختلف مجالات الحياة، بما يشمل دعم السلع التموينية، والإسكان الاجتماعي، ومنظومة “تكافل وكرامة”.
وفي تعقيب إضافي قبيل تلقي الأسئلة، أوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن قرار تنظيم مواعيد غلق المحال التجارية قد راعى استثناء المدن والمناطق السياحية الرئيسية في مصر؛ لضمان استمرارية النشاط السياحي وعدم تأثره بهذه الإجراءات التنظيمية، قائلاً: “إن كل ما يعنينا هو ألا يتأثر النشاط السياحي بأي تداعيات، ولذلك شمل القرار المدن والمناطق السياحية الرئيسية التي نؤكد عليها دائمًا”.
كما أشار رئيس مجلس الوزراء إلى الموقف ذاته فيما يخص الفعاليات الدولية المقرر انعقادها طوال شهر أبريل، مؤكداً استمرار تنفيذها وفق جداولها المحددة لتجنب أي تأثيرات سلبية على حركة الوفود الدولية، ومشبهاً هذا النهج المتبع بما تم اتخاذه من تدابير مرنة خلال أزمة “كورونا” السابقة لضمان تسيير الأعمال، قائلاً: “سيتم المضي قدماً في تنفيذ هذه الفعاليات؛ لرغبتنا الأكيدة في تجنب إحداث أي تأثير سلبي على هذه الحركة، وهو ذات النهج الذي اتبعناه خلال أزمة كورونا كما تتذكرون”.
إجراءات حكومية لتخفيض فاتورة الوقود والاستهلاك.. تفعيل العمل أون لاين وتبكير موعد غلق بعض الأنشطة
شارك هذه المقالة