د. أحمد يوسف أحمد
تشهد المنطقة والعالم – في هذه الأيام – تطورات خطيرة، سيكون لمآلها تأثيرات بالغة الأهمية على الشرق الأوسط والنظام الدولي. وأصل الحكاية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد عملية فنزويلا وتداعياتها، يتوعَّد إيران بمصير سيئ.. لو رفضت الانصياع لمطالبه، التي من شأن الاستجابة لها إلغاء المتغير الإيراني.. في معادلات القوة والنفوذ في المنطقة.
وقد برَّر ترامب تهديداته.. مرَّة بأن النظام الإيراني يقتل مواطنيه، وهي حجة تتخفَّى وراء اعتبارات إنسانية.. تثير مجدداً الإشكاليات المرتبطة بما يُسَمَّى بالتدخل الإنساني، وتتجاهل أن جيش الحليف الأول للولايات المتحدة في المنطقة قد قتل – باعترافه – 70 ألف فلسطيني.. دون أن ينبس ترامب بحرف واحد، ومرَّة أخرى بمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، مع أن لحليفه الأول ترسانة نووية أكيدة.
ناهيك بأنه سبق أن صرَّح – بعد الهجوم على مفاعل فوردو في يونيو الماضي – بأن برنامج إيران النووي قد انتهى، أو على الأقل أعيد للخلف سنوات طويلة. والأعجب أن يصرح مستشاره ستيف ويتكوف بأن إيران على بُعد أيام من صنع قنبلتها النووية. وكلها تصريحات تُذكِّرنا بكذبة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.. لتبرير غزوه في 2003، وهكذا يكون الهدف الوحيد للتهديدات الأمريكية.. هو تأسيس الشرق الأوسط الجديد، الذي لا يعلو فيه صوت على صوت إسرائيل والولايات المتحدة.
ولكي يُكْسِب ترامب تهديداته صدقية، قام بحشد عسكري هائل في المنطقة، وهي مباراة ردع تقليدية، يحاول الخصم فيها استعراض أقصى قوته.. لإخافة خصمه، لعله يرتدع ويغيِّر سلوكه، وهو ما لم يحدث.. على نحو جعل ويتكوف يصرِّح بأن ترامب مندهش من عدم استسلام إيران حتى الآن، وهو ما يعكس قلة الخبرة الدولية لدى مجموعة الهواة، التي تدير السياسة الخارجية الأمريكية حالياً. ويبدو أن البعض لا يفهم وجود قيم عليا لا يمكن التخلي عنها.. مهما كانت التكلفة. فما هي احتمالات المستقبل إذن؟
من الناحية المنطقية، من الممكن التوصل لتسوية تُرضي الغرور الأمريكي، وتحفظ ماء وجه النظام الإيراني إذا تم الاكتفاء بالملف النووي، وقد سبق التوصل في 2015 للاتفاق الشهير (5+1) – الذي انسحب منه ترامب في ولايته الأولى – ويكون ذلك بإبداء إيران تنازلات.. لا تتخلى بموجبها عن برنامجها النووي السلمي. أما إذا أصر ترامب على تبنِّي المطلب الإسرائيلي.. بتقييد مدى الصواريخ الإيرانية، بحيث لا تشكل تهديداً لإسرائيل.. فلن يكون التوصل لاتفاق ممكناً، لأن المعنى الوحيد لهذا أن تصبح إيران رهينة لدى إسرائيل. أما ما يُسَمَّى بأذرع إيران في المنطقة، فاجتهادي الشخصي أن التوصل فيه لتفاهمات ممكن، خاصة لو حققت جهود التسوية في الملفين الفلسطيني واليمني تقدماً. فماذا لو أخفقت جهود التوصل لاتفاق أمريكي-إيراني؟
يبدو سيناريو الضربة العسكرية مرجَّحاً في هذه الحالة. ووفق التصريحات الأمريكية، فإنها إما أن تكون ضربة محدودة.. تنقل المحاولات الأمريكية لردع إيران من التهديد باستخدام القوة لاستخدامها فعلاً، بحيث تُجْبِر إيران على قبول ما كانت ترفضه، وهو احتمال مستبعد لسببين؛ أولهما: أن التنازلات المطلوبة من إيران جوهرية، وقبولها يُفْقِد النظام شرعيته. والثاني: هو احتمال نجاح إيران في توجيه ضربة أو ضربات ناجحة للآلة العسكرية الأمريكية. وهكذا فإن الضربة ستكون شاملة.. إما لأن ترامب سيبدؤها كذلك، أو لأنه سيبدأ بضربة محدودة لا تُحقق أهدافها، فينتقل منها لضربة شاملة. فما هي النتائج المتوقعة في هذه الحالة؟
من المفيد في الإجابة عن هذا التساؤل.. أن نلجأ للخبرة التاريخية من ناحية، وموازين القوى من ناحية أخرى. أما الخبرة التاريخية، فتشير بحسم إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تحقق انتصارات تبدو حاسمة في البداية، لكنها تتحول بالتدريج لهزائم استراتيجية. ويبدو هذا شديد الوضوح.. بالفشل الاستراتيجي في فيتنام في سبعينيات القرن الماضي.. رغم كل القتل والتدمير، ثم بالنجاح في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان بالقوة المسلحة في 2001، والفشل عبر 20 سنة في القضاء على مقاومته، حتى اضطُر ترامب في ولايته الأولى لتوقيع اتفاق معه في 2020.. أدى لعودة طالبان للسلطة. كذلك نجح الغزو الأمريكي للعراق في 2003 في إسقاط نظام صدام حسين، لكنه سلَّم العراق للنفوذ الإيراني.
وأما موازين القوى فصحيح أنها حاسمة لصالح الولايات المتحدة، لكن إيران بالمقابل ليست ضعيفة، وقد تلقت في تجربة العدوان عليها في يونيو الماضي.. ضربات إسرائيلية وأمريكية موجعة، لكنها وجهت – مع أصدقائها – لإسرائيل ضربات مضادة نجحت في إخفاء حجمها، وإن كانت تقارير قد أفادت بأن تلك الضربات كانت بدورها موجعة، لدرجة أن بعض تلك التقارير ذهب إلى أن وقف إطلاق النار بعد 12 يوماً.. كان بطلب من إسرائيل.. لفداحة خسائرها. وهنا فإن احتمال نجاح ضربة إيرانية أو أكثر.. للحشود والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة أو لإسرائيل، ستكون له آثار حقيقية على سير القتال. ولا ننسى – كمجرد مثال – أن ترامب اضطُر لقبول وقف إطلاق نار مع الحوثيين في مايو الماضي، لم يلزمهم فيه بوقف ضرباتهم لإسرائيل.
وامتداداً لهذا التحليل، تجدر الإشارة إلى عديد التقارير التي قرأتها في الأسابيع الماضية.. عن دعم صيني وروسي عسكري نوعي لإيران؛ من شأنه أن يُحَسِّن قدراتها الدفاعية كثيراً، ويزيد من ثم من احتمالات نجاحها في تسديد بعض الضربات الموجعة للقوات الأمريكية ولإسرائيل. وليس في مقدوري الحكم على مدى صحة هذه التقارير ودقتها، ولو صحَّت.. لكان معناها أن الصين وروسيا أدركتا خطورة تكرار النموذج الفنزويلي، على مستقبل دورهما العالمي.
ولا يملك المرء – والأمر كذلك – إلا أن يُقَرر أننا إزاء احتمالين: إما نجاحاً في التوصل لاتفاق يستطيع كلا الطرفين الادعاء بأنه في صالحه، وإما ضربة عسكرية أمريكية تُعَزِّز – إن نجحت – نهج ترامب من أجل تأكيد السيطرة الأمريكية الأحادية على الشؤون العالمية. وتُفضي – إن فشلت – إلى عالم جديد، لا مكان فيه لهذه السيطرة. ومن هنا القول بأننا نعيش أياماً فارقة.
نقلاً عن «الأهرام»