Times of Egypt

«أم كلثوم».. الأسطورة والفيلم

M.Adam
مصطفي الفقي

زياد بهاء الدين

شاهدت أخيراً فيلم «الست»، وفي بالي طبعاً الهجوم الذي تعرَّض له.. منذ عرضه الأول بمهرجان مراكش السينمائي، ثم بعد إطلاقه على شاشات السينما.

هذا الهجوم الواسع – على ما تابعت – استند إلى أن الفيلم، بدلاً من تكريم السيدة «أم كلثوم» والاحتفاء بفنها وقيمتها، تناول حياتها الشخصية بشكل سلبي، مثل البخل على أهلها، والتسلط تجاه أعضاء فرقتها، والوحدة والانعزال، والاهتمام بفنها على حساب حياتها الزوجية. وانتقد آخرون الخروج عن بعض الوقائع الصحيحة لسيرتها، بينما تحفظ غيرهم على عدم ذكر معظم عمالقة الموسيقى العربية الذين تعاونوا معها.

في المقابل، فإن أصواتاً متفرقة دافعت عن «الست».. من منطلق أن الأفلام المعاصرة – التي تتناول السير الذاتية لعظماء الفن والسياسة – لم تعد تسرد أعمالهم ومواقفهم سرداً تاريخياً تسجيلياً، بل تسعى لإضفاء ملامح شخصية وإنسانية.. في سياق درامي، يتيح حرية الاقتباس من الأحداث التاريخية بتصرف. وفي هذا السياق، فإن إبراز الجوانب الخلافية من الشخصية محل التناول.. يضيف إلى إنسانيتها. كما أن اختيار الوجوه المحيطة بها.. يكون وفق ما يتطلبه السياق، لا التسجيل التاريخي الدقيق. شخصياً، فإنني أميل إلى الرأي الثاني.. لأن العمل الفني بالضرورة يعبر عن رؤية من يقدمونه، وطبيعي أن يكون خلافياً، وأن يتيح للجمهور الفرصة للنقاش والانحياز. ولكن دعوني أرجع للاعتراض الأساسي، بشأن أن الفيلم ركز على الجوانب السلبية من شخصية أم كلثوم، لأنني مختلف معه. على العكس، فقد خرجت منه بانطباع إيجابي عن شخصيتها.. حتى من خلال العناصر التي رأى فيها آخرون نواقص وعيوباً.

في طفولتها مثلاً، نقل لنا الفيلم ملحمة خروج هذه الموهبة الفذة من بيت بالغ الفقر، ومجتمع شديد القسوة، وظروف لا تقبل أن تكون الفتاة مطربة، ولا أن يكون لها صوت أصلاً. أليس هذا إيجابياً.. وجديراً بأن يزيد من إعجابنا بسيرة وكفاح «الست»؟ وفي تناول الفيلم لأبيها، لا أرى أنه كان نموذجاً لأب مستغل أو قاسٍ، بل لشيخ متعلم ولا يملك شيئاً، يدرك أن ابنته موهوبة، وقادرة على كسب المال من موهبتها، ولكنه – في ذات الوقت – حنون عليها، حريص على سلامتها، مدافع عن مصلحتها، ومرتبك حيال ما سيواجهها.. حينما تنتقل للعاصمة وتقتحم عالماً غريباً عليه وعليها. 

وفي موضوع البخل، هل يعيبها أن تكون شأن الناس كلها، حريصة على مالها، قلقة مما يخبئه المستقبل، ومنزعجة من اندفاع أخيها في الصرف؟ هل يقلل من قيمتها ومكانتها وموهبتها الفذة؟ وكذلك الوحدة، ألم نقرأ عن عظماء في مختلف المجالات.. كانت عبقريتهم وتفوقهم الفذ حاجزاً بينهم وبين الناس في بعض الأوقات؟ فما بالنا بسيدة الطرب الأولى؟

ثم دعونا من التفاصيل ولننظر إلى الصورة الإجمالية. 

… شخصياً أرى أن الفيلم نجح.. في أن ينقل لنا كيف كانت «أم كلثوم»، الرابط الجامع لكل طبقات الشعب المصري وفئاته، ولأهل الريف والحضر، ولجمهور العهدين الملكي والجمهوري، وللامة العربية بأسرها، وللعرب المغتربين في بلاد العالم، وكيف قاست وعانت في حياتها، وكيف تجاوزت محناً ومصاعب تهد الجبال، وكيف وقفت مع وطنها في محنته، وكيف ضحت بسعادتها الشخصية.. من أجل رسالتها الفنية، وكيف رفعت – ولا تزال – ترفع رأسنا.. كل يوم وكل مساء. 

ثم كانت – بجانب ذلك – إنسانة تعاني وتخاف، وتقلق وتحزن وتغضب.. مثلنا جميعاً. وهذه الإنسانية تزيدها احتراماً، وتقربها من قلوب الأجيال الشابة.

فشكراً لمن قدموا لنا هذا الفيلم الجميل، وكل عام وأنتم بخير.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة