سمير مرقص
(1) «الهوية: مقاربات أربع/ خمس.. ورؤيتان: سكونية وديناميكية»
من الأسئلة الإنسانية التاريخية الإشكالية.. دائمة الحضور الفكري والسياسي، ذلك السؤال الذي يتعلق بمن أنا؟ على المستوى الفردي. ومن نحن؟ على المستوى الجمعي-المجتمعي. وقد استُنفر هذا السؤال، لاعتبارات ودوافع كثيرة.. ومن ثم تعددت تعريفات الهوية، كذلك المقاربات والمعالجات المتنوعة.. التي تحاول فك شفرة الهوية، منذ الفيلسوف اليوناني «هيراقليطس» (القرن السادس قبل الميلاد)، القائل: «نحن لا نغطس مرتين في الوادي نفسه»؛ في إشارة إلى أن المياه دائمة التغير، وأن المرء في غطسه الأول يختلف – قطعاً – عن مرة الغطس الثانية؛ في إشارة إلى كيفية وإمكانية تفسير الهوية، ووصف ذات الشخص بأكثر من وصف.. نظراً إلى أن الواقع دائم التغير، ما يعني تغير هوية الشخص تبعاً لذلك.
وفي ضوء تلك المقولة المبكرة، تراوحت المقاربات.. التي حاولت الإجابة عن سؤال الهوية. في هذا المقام، يمكن رصد تصنيف رباعي للمقاربات.. التي تناولت الهوية على مدى التاريخ الإنساني، منذ «هيراقليطس» كما يلي؛
أولاً: المقاربة اللغوية/ المفهومية، التي تنشغل بأصل مفهوم الهوية ودلالاته وتحولاته.
ثانياً: المقاربة المعرفية، التي تتناول الهوية.. عبر حقل معرفي واحد؛ مثل الفلسفة وعلم النفس، أو عبر أكثر من حقل معرفي.
ثالثاً: المقاربة التاريخية الحضارية، التي ترى الهوية نتاجاً لتراكمات تاريخية وحضارية طويلة، وما يرتبط بها من ذاكرة وأحداث ونضالات وإبداعات، وما يتشكل من رموز وسرديات.
رابعاً: المجتمعية السياسية، التي تعالج الهوية.. من خلال علاقاتها واشتباكاتها المجتمعية والسياسية. (وهناك مقاربة بازغة، يمكن أن نطلق عليها المقاربة الرقمية.. التي تدرس كيف باتت المنصات والشبكات ووسائل التواصل الاجتماعي متعددة الهويات والانتماءات).
تراوحت تلك المقاربات.. بين النظرة السكونية، والنظرة الديناميكية. بلغة أخرى، هناك من كان يرصد – عبر مقاربته.. الهوية، واصفاً إياها في لحظة تاريخية محددة – يقف عندها لا يبارحها – دون أن يزيد كيف تشكلت وتطورت ومآلها. وكأنها ثابتة ومستمرة، لا تتبدل ولا تتغير.. مهما طال الزمن، إنها المقاربة السكونية. وهناك من تمرد على ما سبق.. منطلقاً من أن السمات الهوياتية ليست مطلقة، بل خاضعة للتأثر التاريخي والحضاري، وللسياق المجتمعي.
(2) «مقاربة متعددة الأبعاد»
في هذا الإطار، يقدم لنا الدكتور «هاني نسيرة» جهداً معتبراً.. في كتابه «ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي»، (395 صفحة، الصادر عن «دار رؤية للنشر» – 2026). يحدد «نسيرة» – منذ السطور الأولى – انحيازه إلى الرؤية الديناميكية في مقاربة «الهوية»؛ إذ يكتب – في مقدمة الكتاب – ما يلي: «تفرض مسألة الهوية حضورها الطاغي، بوصفها السؤال الأول.. في وعي الفرد والجماعة، على حد سواء؛ فهي ليست مجرد ماهية، أو تعريف مجرد في الذهن لـ (من أنا؟)، أو (من نحن؟). بل تخرج للعالم والواقع، وتمثل الرؤية الجوهرية والفاعلة للذات.. في اشتباكها معهما، إنها تلك القوة الكامنة التي لا تغيب، وتحضر بالفعل، وتتجلى في كل تفاصيل وجودنا؛ تحرك التاريخ وتغيره، تنشئ القناعات والثورات، تنطق بلسان العدل تارة، وتطلب الاستحقاق وترفض الظلم تارة أخرى. تطل برأسها في لحظات الزهو والانتصار، وتنسل باحثة عن التبرير في أوقات الانكسار. هي الحاضر المستمر في السلم والحرب، وفي الصدام والتعايش، متجسدة في تلك الروابط التي تجمعنا، أو القطائع التي تفصلنا، لتظل دائماً كالنهر الذي تتعدد روافده، وتتنوع تجلياته عبر الزمن».
فصَّل «نسيرة» كلمته الاستهلالية في المقدمة.. عبر خمسة فصول (13 مبحثاً)، جاءت عناوينها كما يلي..
الفصل الأول: ألغام الهوية: إشكالات التفهم وأركيولوجيا الصراع.
الفصل الثاني: سؤال الهوية والمرجعية: معضلة الدين والسياسة في العالم العربي.
الفصل الثالث: الهوية والدولة: تحديات الهوية الوطنية في العالم العربي.
الفصل الرابع: من أحادية المرجعية التاريخية (الكيميتية) إلى علامات الهوية اليومية.
الفصل الخامس: الأنسنة والتدين الحضاري.. وتوصيات عملية لنزع ألغام الهويات.
(3) «أسئلة والتباسات»
يطرح «ألغام الهويات».. محاولة جادة ورصينة وعلمية، للإجابة عن جملة من الأسئلة حول الهوية/ الهويات، كما يرصد اشتباكاتها الفكرية والحياتية. يفكك المؤلف ما يعتري المفهوم من التباسات وأثرها على الواقع، فيما يعده المؤلف ألغاماً تتهدد مجتمعنا المصري/مجتمعاتنا العربية.
فيما يتعلق بالأسئلة، يطرح المؤلف ما يلي: هل هي الوجود من منظور أنطولوجي وجودي؟ وثانيها، من حيث وجودها.. وهل هي فاعل؟ أم ماهية مجردة توجد في الذهن والمخيلة فقط؟ أهي ضرورة ثابتة أم صيرورة، سكونية ناجزة؟ أم عملية عصبية تتبدل عبر الزمن؟ وإلى أي حد تتضافر الظروف البيئية والاجتماعية في تشكل وخلق الهويات؟ وهل يطول التطور الدلالي والمعرفي.. هوية الهوية؟ أم أنها محصنة ضد تقلبات التاريخ؟ كما لا يزال يتصورها بعض تياراتنا ومثقفينا في العالم العربي.
ومن هذه التساؤلات أيضاً، هل الهوية بُعد واحد؛ يتمثل في الانتماء الثقافي لتصور ماضوي لأمة.. بمرجعية قيمها، ورؤية عرقها وثقافتها وتاريخها.. تمييزاً أو استعلاء متخيلاً عن سواها؟ هل الهوية نوع واحد أم أنواع متعددة تتركب معاً؟ فكيف تتفاعل ومتى يخرج أحد أبعادها دون غيره؟ وهل يمكن اعتبار الإنسانية هوية، فمن هم آخروها وأغيارها؟
أما فيما يتعلق بالألغام، فلقد تناول المؤلف ما يلي؛ أزمات فهم الهوية وإشكالات المفهوم، وصراعاتها الراهنة والمحتملة.. التي تحول دون إدراك تجليها المركب، وتعبير عناصرها عن غنى التنوع، واستقطاب الهوية؛ بين التسييس من جهة، والتديين من جهة أخرى. وتحديات الطائفية، والتطرف والعنف، والكراهية والشمولية الأصولية، و«الكيميتية» الأحادية. ولا يفوتة أن يرصد مشاعر الهوية وذاكراتها التراثية الشعبية والفنية الحية… إلخ. وأخيراً يطرح توصياته لنزع ألغام الهويات.. نواصل.
نقلاً عن «المصري اليوم»