سمير مرقص
كنا قد اخترنا عنوان «مراجعات وإبداعات» لسلسلة المقالات التي بدأنا في كتابتها الأسبوع الماضي، إلا أن ردود الأفعال على المقال الأول المعنون: الحاجة إلى إعادة تعريف التكنولوجيا؛ قد دفعتني إلى إعادة النظر في عنوان السلسلة، فهدف المقالات استعراض جديد إبداعات ماكينة الفكر الإنساني.. التي لا تمثل فقط قطيعة معرفية مع الإبداعات السابقة عليها، وإنما تؤسس لبنية معرفية جديدة. وبعد نقاش ممتد مع بعض الأصدقاء وقراءة حية للمقال على بعض الشباب ممن ينتمون لجيل «زد» الذين وُلدوا مع مستهل الزمن الرقمي، وعاشوا طفولتهم وفتوتهم، والآن في شبابهم، مع ذروة أولى لهذا الزمن، رأيت أن أغير عنوان السلسلة من «مراجعات وإبداعات» إلى «أفكار خارج الأسوار».
يرجع الفضل في تغيير العنوان إلى هؤلاء الشباب الذين كانوا، على نحو لافت، أكثر إدراكاً للفكرة الجوهرية التي اجتهدنا لطرحها في مقالنا الأول، ويمكن بلورة هذا الإدراك في ثلاثة عناصر رئيسية؛ أولها: ما أطلقنا عليه «ديمومة التحول» في كتابنا «أحلام فترة العزلة: أفكار تفتح آفاق الأمل للإنسانية ومسارات للمواطنين نحو بدائل جديدة» ــ دار العين 2024. وأقصد بها تلك الحيوية الفكرية التي تجعل من العملية الإبداعية حالة مستمرة، ومن ثم لا تستقر الأفكار طويلاً حتى تتم مراجعتها كي تواكب التحولات المجتمعية والتقنية التي باتت مضطردة، بل «طفرية» (نسبة إلى طفرة) حسبما درجنا على وصفها في كتاباتنا، وعليه لا تلبث الأطر النظرية أن تُستبدل بأخرى جديدة.. قادرة على الاستجابة المبدعة لإدراك تلك التحولات.
ثانيها: لا تمثل تلك الأطر النظرية المستجدة إضافات نوعية فقط.. داخل البنية المعرفية التاريخية القائمة، بل تتجاوزها، جذرياً، من خلال المراجعة الجوهرية للمفاهيم والأفكار والتطبيقات، أو ما أطلقنا عليه «فضيلة المراجعة الدائمة»، والدعوة إلى إعادة تعريفها، وبالأخير بلورة «باراديم Paradigm»، (إطار نظري/فكري)، يلائم الواقع دائم التجدد.
ثالثها: يتعلق بأن الأفكار التي يتم طرحها قد انطلقت من خارج أسوار البنى المؤسسية التي دأبت على إنتاجها تاريخياً الأكاديميات، ومراكز البحث، والمنتديات، إذ صارت تنطلق من خلال تفاعلات نقاشية متنوعة في الفضاء العام، الرقمي بالأساس، وتشكل بالتالي – مباشرة ــ الوعي الإنساني دون المرور عبر الوسائط المؤسسية التاريخية.
مما سبق، نخلص إلى أن ما نعرضه من إبداعات، لا يندرج تحت بند المتابعات للتراكم المعرفي في إطار البنية المعرفية التاريخية، بل هو رصد لأفكار تم إبداعها خارج أسوار الدوائر الأكاديمية والأروقة الفكرية، وتمثل انقلاباً على المستقر من مناهج في هذه الدوائر وتلك الأروقة، وعليه، يصبح من المنطقي أن نستبدل عنوان السلسلة.. ليكون «أفكار خارج الأسوار»، ليجسد ويعكس كذلك حقائق اللحظة التاريخية المركبة المتمردة على البنى المعرفية التاريخية من جهة، والمتحررة من الجمود المنهجي والاستئثار النخبوي من جهة أخرى.
تأتي هذه المقدمة تأكيداً على أن حلقات سلسلة «أفكار خارج الأسوار» لا تصنَّف ضمن جهد ذاتي «متفذلك»، بقدر ما هو جهد «إطلالي».. (إن جاز التعبير)، متعمق.. لأطروحات فكرية، لا تحظى بما تستحقه من المتابعة لسبب أو لآخر، بالرغم من أنها تُعد – بكل المعايير – إعادة تشكيل جدية وجذرية لبنية معرفية لعالم مختلف: عالم الزمن الرقمي.
في هذا السياق، نقدم للقارئ الكريم أطروحة فلسفية تنطلق من جديد علم الفيزياء، خاصة ما يُعرف بالفيزياء الكوانتية، قام بها الفيلسوف السلوفيني المعاصر الأشهر «سلافوي جيجيك» في كتابه: «تاريخ الكوانتم: نحو فلسفة مادية جديدة Quantum History: A new Materialist Philosophy» (صدر قبل شهور في 457 صفحة). ولكن قبل استعراض أهم ما ورد فيه، نوضح أن الفيزياء الكوانتية – حسب الموسوعة الفلسفية – المعني بدراسة حركات الجزيئات الصغيرة التي فتحت أفقاً مزدوجاً على المستوى العلمي المحض من جانب، وعلى مستوى تفسير الإشكاليات الفلسفية، مثل علاقة الذات والموضوع، المعرفة والواقع، الصدفة والضرورة، الحتمية واللاحتمية… إلخ، وقد أكد هذا الأفق المزدوج أستاذ الفيزياء الفرنسي «رولان أومنيس» في كتابه «فلسفة الكوانتم» (صدر بالإنجليزية عام 2002 وقام بترجمته أحمد فؤاد باشا ويمنى طريف الخولي في سلسلة عالم المعرفة الكويتية 2008).
يواصل «جيجيك» – في أطروحته – الاستفادة مما أحدثته «فيزياء الكوانتم» من صدمات.. غيَّرت الفهم للطبيعة، ما ولَّد أسئلة فلسفية متجددة، أسهمت – حسب أحد الباحثين – في النظر إلى العالم نظرة أكثر عمقاً، لأنه ليس بالوضوح أو الطبيعية والحتمية التي يبدو عليها، ففي ضوء ما سبق، يستند جيجيك ــ بدرجة أو أخرى – إلى الدروس الفلسفية المستخلصة من أعمال علماء مثل الفيزيائي الألماني الحائز على نوبل عام 1932 «فيرنر هيزنبر» (1901 ــ 1976)، والفيزيائي الدنماركي «نيلز بور» (1885 ــ 1962) وغيرهما، التي أثبتت، من خلال الفيزياء الكوانتية، أن الجسيمات لا تمتلك خصائص محددة بشكل نهائي قبل القياس، وأن عملية الملاحظة ليست حيادية، بل تدخل في تحديد نتيجة الظاهرة نفسها. من هنا لم يعد بالإمكان.. الحفاظ على التصور الكلاسيكي الذي يفترض وجود واقع موضوعي كامل، ومستقل تماماً.. عن وعينا به.
غير أن جيجيك يذهب أبعد من مجرد تبني هذا الاستنتاج العلمي، إذ يحوله إلى أطروحة أنطولوجية عامة، فلا يقف جيجيك في أطروحته عند مهمة اكتشاف الواقع الموجود بالتمام، وإنما يطرح فكرة أن الواقع لا يكتسب التمام ..إلا بالتفاعل معه، فدور المكتشف للغموض غير كاف، إذ على كل إنسان المساهمة في بلورة الواقع، فالمعرفة الحق ليست كشف ما هو راهن، بل مشاركة في صنع الواقع.
أخذاً في الاعتبار أن الواقع الذي نعيشه ليس مكتملاً، وهو ما تؤكده – يوماً بعد يوم – الأزمات البنيوية.. التي يتعرَّض لها العالم على المستويات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، كذلك الاختلالات الحادة التي طالت البُنى والعلاقات، والتفاوتات الشاسعة التي تحول دون العدالة والمساواة والمواطنة، لذا يتبنى «جيجيك» فكرة أن العالم قد وصل إلى «نقطة صفر Zero Point» (عنوان كتاب صدر في نفس وقت صدور الكتاب الأول)، ومن ثم فإن «اللااكتمال» البنيوي للعالم – حسب جيجيك – يستوجب البحث عن بدائل جديدة أو بلغة فلسفية «تشكيل تصور مادي جديد»… نتابع.
نقلاً عن «الأهرام»