Times of Egypt

أثر الحرب على العلاقات الخليجية-الإيرانية

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

مرَّت العلاقات الخليجية – الإيرانية بالعديد من التقلبات بعد الإطاحة بحكم الشاه، بل إن التوتر ميَّز هذه العلاقات منذ البدايات الأولى للثورة الإسلامية.. التي اعتبرت أن الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر، وبالتالي ناصبت كل شركائه العداء الشديد، وفي هذه الخانة تم تسكين دول الخليج العربية والأردن والمغرب ومصر. ومعنى هذا أنه منذ اللحظة الأولى، فإن طبيعة علاقة الدول العربية مع الولايات المتحدة.. كانت بمثابة البوصلة المحدِّدة للعلاقات الخارجية الإيرانية. وفيما يخص مصر، أضيف لذلك علاقتها مع إسرائيل، من منطلق اعتبار إسرائيل (في ذلك الوقت) مجرد أداة لخدمة المصالح الأمريكية.

ومع تزايد الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، تعمَّق تأثير المتغير الأمريكي على العلاقات الخليجية-الإيرانية، لأن الوجود الأمريكي كان يضرب أحد المبادئ الأساسية للأمن القومي الإيراني، وهو أن أمن الخليج تحميه دوله.

ومن المفهوم، أن تطبيق هذا المبدأ كان من شأنه ضمان نوع من التفوق الاستراتيجي لإيران، وبناءً على ذلك.. حاولت إيران طرح صيغ مختلفة للتعاون الأمني الخليجي، ومن ذلك مبادرة هرمز للسلام للرئيس الأسبق حسن روحاني في عام 2019. التي طوَّرها وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف.. تحت اسم مبادرة أمل، وأعاد تأكيد بعض بنودها الرئيس الحالي مسعود بزشكيان.

لكن حال دون تنفيذ مثل هذه المبادرات ضعف الثقة الخليجية في النظام السياسي الإيراني، وبالتالي في مدى قدرته على الالتزام بمبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. يضاف إلى ذلك وجود حالة من عدم التوافق الخليجي.. حول إجابة واحدة عن السؤال التالي: أيهما أكثر تهديداً للأمن الخليجي.. إيران أم إسرائيل؟ إذ تراوحت الإجابات عن هذا السؤال.. ما بين اعتبار الاثنين يمثلان تهديداً على نفس المستوى من الخطورة، وبين اعتبار إيران هي مصدر الخطر الأكبر، وبين اعتبار إيران هي الخطر الوحيد.

وتأثرت الإجابة بالخبرة الذاتية لكل دولة خليجية على حدة.. في علاقتها مع إيران، وذلك أن خبرة دولة مثل البحرين – التي طالبت إيران بضمِّها كاملةً إليها أكثر من مرَّة – تختلف عن خبرة الإمارات.. التي احتلت إيران جزرها الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبي موسى. وكلتا الخبرتان تختلف مع خبرة السعودية، التي اضطربت علاقتها مع إيران لأسباب مختلفة؛ منها المظاهرات السياسية المتكررة للإيرانيين.. في موسم الحج، ومهاجمة المقار الدبلوماسية السعودية في عام 2016. وعن خبرة الكويت التي تعرضت لمحاولة اغتيال رأس الدولة في حرب الخليج الأولى. وعانت – ولا تزال – من أنشطة تجسس بواسطة خلايا إيرانية،. أما سلطنة عمان فحافظت على وضعها الاستثنائي – كدولة تحتفظ بعلاقات مستقرة مع الجميع، وتؤمن بالحلول السياسية لأكثر القضايا تعقيداً – وتبرع في ممارسة دور الوساطة بين الفرقاء، ومن ذلك دورها في التوسط لإبرام الاتفاق النووي مع إيران.

ومع بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران – في 28 فبراير الماضي – حدث أمران مهمان؛ أحدهما: هو تجديد ذكرى الاستهداف الإيراني لقاعدة العديد في قطر، مما أحدث في حينه صدمة في العلاقات الخليجية-الإيرانية.. بعد الانفراجة التي شهدتها باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في عام 2023.

فلقد طبقت إيران سياسة العين بالعين مع الولايات المتحدة وإسرائيل.. على أراضي كل دول الخليج العربية، وبالتالي شمل استهدافها القواعد العسكرية الأمريكية في تلك الدول، كما شمل مرافقها المدنية وبناها التحتية، علاوة على التحكم في الشريان الملاحي لصادراتها النفطية: مضيق هرمز. ومثلت هذه التطورات تصعيداً إيرانياً غير مسبوق، سواء من حيث كثافة الاستهداف، أو من حيث نطاق الاستهداف، وردَّت الدول الخليجية – باستثناء عمان – بإجراءات دبلوماسية عقابية، كمثل طلب مغادرة السفير الإيراني، وغلق السفارة في طهران، لكن دون الوصول إلى مستوى قطع العلاقات الدبلوماسية، وهو ما يعني المحافظة على شعرة معاوية مع إيران. الأمر الثاني الذي أدَّت إليه الحرب الأخيرة، هو تعظيم خطر التهديد الإيراني في الإدراك الخليجي، باعتباره الخطر رقم 1، والتفكير في أن توثيق التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وربما مع إسرائيل أيضاً، يمثل الرادع لهذا التهديد.

وهناك العديد من التصريحات الصادرة عن شخصيات خليجية بارزة في هذا الاتجاه، وساعد على ذلك أنه لم يُكتب النجاح لمحاولات تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، ولمشروع القوة العربية المشتركة. غير أن هذا الإخفاق، لم يحُل دون التساؤل منذ بداية الحرب عن الدور العربي في الدفاع عن الأمن القومي العربي.. وفي القلب منه الأمن الخليجي، وهو ما يستدعي طرح سؤال – معلوم الإجابة – عما إذا كان هناك أصلاً طلب على الدور العربي، في ظل ما آل إليه مصير إعلان دمشق في عام 1991.

لقد أضرَّت الحرب الراهنة بالعلاقات الخليجية-الإيرانية لا شك في ذلك ولفترة غير قصيرة، لكن الجوار الجغرافي ليس خياراً لأحد، وأنه كما يخلق فرصاً للتقارب.. يوجد مبررات للتنافس، والحكمة تكمن في استثمار الفرص المتاحة، وتقليص مساحات الاختلاف، وبالتالي سيكون على إيران بذل الكثير من الجهد لاستعادة ثقة الدول الخليجية.. وهو أمر صعب، لكنه ضروري، فليس من مصلحة إيران أن تعادي جوارها العربي المباشر.

وفي الوقت نفسه، ثبت من كل الحروب الخليجية.. أنه لا يمكن حل القضايا بالاعتماد على الأداة العسكرية وحدها، وأن الولايات المتحدة – التي توفر المظلة الأمنية للخليج – جاهزة لعقد صفقات جانبية عند الضرورة؛ فعلت ذلك بالتفاهم مع الحوثيين وتخارجت من أزمة تهديدهم للملاحة في البحر الأحمر، وها هي تكرر نفس السلوك بالسماح لإيران بتصدير نفطها.. لضبط حركة الأسواق، بل تتحدث عن إمكانية تقاسم إدارة مضيق هرمز مع إيران، وهو حديث يختلط فيه الهزل بالجد، لكنه لا يخلو من دلالة.

والخلاصة، هي أننا نحتاج إلى الرؤوس الباردة.. عند التفكير في أمن الخليج، بعد أن تضع هذه الحرب الدامية أوزارها، ولعل المقال المهم الذي نشره وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في مجلة الإيكونوميست، يُعد نموذجاً جاداً لهذا النوع من التفكير.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة