عمار علي حسن
في صالون الثلاثاء الذي تقيمه مؤسسة أحمد حسين للثقافة والفنون، تحدثتُ عن كتابي «أبواب الأذى.. دفتر أوجاع أهل مصر».. الصادر عن دار الشروق بالقاهرة مؤخراً، وأشرح فيه أحوال المجتمع المصري حالياً، عبر دراسات ومقالات معمّقة، ولوحات اجتماعية، تعتمد على المعاينة والمشاهدة والوصف والتحليل.. لمشكلاتنا وأمراضنا الاجتماعية، التي يجب علينا مواجهتها وعلاجها.
قلت للحاضرين – من رواد الصالون – إننا أصبحنا مجتمعاً في خطر، وأن هذه حقيقة لا مواربة فيها، وهي ليست محل شك أو ريبة أو تهوين.. إلا عند جاهل أو غافل أو متواطئ، وأن لهذا الخطر ألف باب، وآلاف النوافذ، تهب رياحه، بل عاصفته من كل اتجاه، تحمل معها غباراً مسموماً.
لقد تعدَّى الأمر عتبة الحديث عن ضعف فى بنيتنا الاجتماعية، أو توعكها ومرضها، أو صعوبة الخروج من ضيق الآني.. نحو براح الآتي، إلى ما يهدد بقاءنا، أو يبقينا مرضى خاملين، في ركود وخمود وقعود؛ بل في كساح أصاب عظم المجتمع، بل نفذ إلى نخاعه.
إن ما يمر به المصريون حالياً.. هو شيء فوق ما عرفوه وألفوه زمناً طويلاً، فتعايشوا معه، وتحايلوا عليه، ولم يفقدوا الأمل في الانتصار.. وإن تأخر، والعبور.. وإن قامت في طريقه العثرات؛ شوكاً وجمراً وسدوداً وقيوداً، أو نصبت الفخاخ متاهة مصمتة، لا سبيل للمروق منها، إلا بجهد جهيد، يصنعه وعي الرجال، وتحققه عزائمهم الصلبة.
حقاً إن المجتمع المصري في خطر، لأن العوامل التي ساعدت مجتمعنا على التماسك على مدار قرون طويلة.. تتآكل وتتحلل، ولتردي مستوى التعليم، وسيطرة الرؤية القاصرة عليه، ولتراجع دورنا الثقافي، وغرق مجتمعنا في الغيبيات، وعدم الاهتمام بإتقان العمل، وتهديد الحرف والمهن.. التي عرفناها وألفناها على مدار تاريخ طويل. واستسهال ارتكاب الناس للمخالفات والجنح والجرائم، وتفشي الفقر والعوز والإملاق، وانتشار روح التسلف والتطرف معاً.
لقد جاء هذا الكتاب.. ليصف المجتمع المصري، بعد مرور ربع قرن من الألفية الثالثة، لنرى كيف تمضى أحواله.. من صعب إلى أصعب. إنه وصف لتصرفات الناس، وتدابير السلطة، وما صنعه ذلك من مواقف وأمور وظواهر، باتت تتواشج – كقطع «البازل» – لتشكل لوحة لمجتمعنا، تطل منها أمارات الخطر وعلاماته، ليبددها الناس؛ على اختلاف مناهلهم الثقافية، ومصالحهم الاقتصادية، وطبقاتهم وشرائحهم وفئاتهم الاجتماعية، وتوجهاتهم السياسية، وتنوع مهنهم وحرفهم، واشتعال آمالهم وأشواقهم إلى تحسين شروط الحياة.
وتتعاون في تشكيل هذه اللوحة.. عدة علوم أو معارف، يمكنها أن تنتظم تحت طائلة «الدراسات الثقافية»؛ منها الاجتماع السياسي، والتحليل الاقتصادي، والاقتراب النفسي، والنهج التاريخي، وعطاء الجغرافيا.. لاسيما في وصف المكان وعرض الموارد البشرية، والأنثربولوجيا التي تغوص إلى أعماق الأشياء والأقوال والأفعال.
لكن كاتبها – مع هذا – لا يطل على المجتمع وظواهره.. من نافذة هذه العلوم فقط، إنما يقف في قلب الميدان، حيث أنصت إلى ما يهمس به الناس ويصرخون – وهو يقف وسطهم – وما يظهر من سكناتهم وإيماءاتهم وحركاتهم.
فقد خرجت سطور الكتاب.. من قلب الشارع والسوق والمعمل والحقل والمصنع ومكان العمل، ومن التاريخ إلى الحاضر، ومن الفرد والأسرة إلى المجتمع. هي كتابة الخندق، وليس المكتب الفخم. خندق.. لأن هذا الكتاب أشبه بمعركة، يجب أن نخوضها. وهي كذلك كتابة بالمشرط.. لأنه الكتاب أشبه بجراحة خطرة، لا بد من إجرائها؛ فنفحص الداء أولاً، ونشخصه، ونصفه بدقة؛ وهي مهمة ضرورية.. قبل الشروع في وضع أي علاج.
لم أركن في هذا الكتاب إلى الصياغات الأكاديمية.. فينفر منها القارئ العادي الذي تقصده. لكنها راعت المنهج العلمي في التفكير، ولم تركن إلى نقولات من بطون الكتب؛ لأنها أخذت في الاعتبار.. ما ينطق به الناس، وهو نصف العلم الاجتماعي من دون شك. ولهذا آثرت أن أصف المجتمع المصري.. في نقاط محددة، بعد تأصيل للثوابت التي يقيم عليها بنيانه.
يعتبر هذا الكتاب محاولة لوصف مصر الآن، ربما تفيد من يروم إصلاحاً، أو على الأقل.. تفتح أفقا للنقاش حول حال مجتمع، بات في خطر شديد. فمنذ أن أجرى «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» مسحاً شاملاً للمجتمع المصري عام 1981، وهو لم يرجع إلى هذا على أهميته، رغم مرور أكثر من أربعة عقود.. على ما قام به هذا المركز المهم، وحدوث تغيرات عميقة في المجتمع، تستلزم النظرة الشاملة إليها.
قبل هذا بنحو مائة وثمانين عاماً، قدم علماء الحملة الفرنسية كتابهم «وصف مصر» – الذي درسوا فيه كل شيء في البلاد – وتكرر الأمر بطريقة أخرى مع «الخطط التوفيقية».. التي قام بها علي باشا مبارك، وهو يضع تصوراته حول النهوض بالبلاد، لاسيما في مجال التعليم.
… هذه الدراسات الشاملة – التي صارت جزءاً أصيلاً من «تاريخ المجتمع»، و«تاريخ العلم الاجتماعي» – يمكن العودة إليها كخلفيات لدراسات معاصرة، لكنها لا تغني عن وجود دراسات جديدة لمجتمعنا، تراه في تداخله وتفاعله، أو في التأثيرات المتبادلة للظواهر والمواقف والوقائع والأحداث، التي تتعانق في الواقع، ولا تنفصل إلا على سبيل الدراسة الصغيرة أو النووية، التي تنشغل بشيء محدد، وتتعمق فيه بعيداً، لتسبر أغواره.
إننا في حاجة ماسة إلى نظرة شاملة لمجتمعنا، تُشارك فيها عطاءات علوم عدة، وتُصاغ بلغة قابلة للتداول على نطاق واسع. ونحن بحاجة أيضاً إلى من يقومون بمهمة الوسيط.. بين الأكاديمي والمتلقي العادي باقتدار، وعن طيب خاطر، ليعرف أهل مصر المعاصرون.. ما آل إليه مجتمعهم، الذي هبت عليه عواصف كثيرة؛ كنست في طريقها الكثير من الأفكار والتصرفات، وأتت في ركابها بالجديد، الذي لم يًرصد ويُدرس – إلى الآن – على نحو سليم.
نحن في خطر.. لكل هذا، وهو خطر يحيط بنا.. من كل جانب، وأغلب الناس في بلادنا.. لا ينتبهون لهذا الخطر، أو يعرفون ويغفلونه، أو يبحثون فيه عن أي فائدة أو منفعة.. ضيقة عابرة، أو يقفون منه موقف الصمت والعاجز.. بينما تجارب التاريخ تقول – بوضوح وجلاء – إن الشعوب التي صمتت، واستسلمت للتنويم السياسي الطويل.. الذي كان يلهيها عن السوس الذي ينخر في أوصالها، أو التي استمرأت خداعاً.. وتلذذت به، أو عجزت عن صده ورده.. استيقظت على فجيعة أو كارثة.
نقلاً عن «المصري اليوم»