تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

قصّتي الشخصيّة مع الرئيس جمال عبدالناصر

M.Adam
عبدالباري عطوان

عبدالباري عطوان

قصّتي «الشخصيّة» مع الرئيس جمال عبد الناصر.. أكتبها بمُناسبة مُرور 70 عامًا على ثورة يوليو (تمّوز) العظيمة.

ثورة 23 تموز (يوليو) قدّمت الكثير جدًّا لنا.. كعرب وكمُسلمين، والفُقراء المُعدمين منّا خاصَّةً، وأنا مَدينٌ لها شخصيًّا.. بكُل ما حقّقته من تعليم ومهنيّة؛ فلولاها ما كنت قد وصلت إلى ما وصلت إليه.. أيًّا كانَ حجمه؛ فقد كانت ثورةً إنسانيّة حداثيّة، وعالميّة، و لم تَكُن أبدًا مِصريَّةً فحسب.

أذكر أنني عندما كُنت أُحَضِّر لدرجة الماجستير في جامعة لندن، التقيت المُستشرق الدكتور فاتيكيوتيس – الذي كان أحد كوادر التّدريس في «كليّة الدّراسات الشرقيّة والأفريقية»، فقلت له إنّك قسوت كثيرًا على ثورة «يوليو» و الزّعيم جمال عبدالناصر.. في كتابك الموسوعي عن مِصر.. أحد أهم المراجع العربيّة والإنجليزيّة، فإعترف لي – وهو الذي كان ينتقد دائمًا إندِفاعي في الدّفاع عن عبدالناصر، في وجه خُصومه «المُستَعربين» في الغرب، فاعترف لي أنّ «عملًا عظيمًا.. و هو «الإصلاح الزّراعي» يغفر لجمال عبدالناصر كُلّ أخطائه، و يكفيه – و يكفي مِصر – أنه قضى على الإقطاع، و انتَصر للفلّاح المِصري، و أنصفه بعد قُرون من العُبوديّة و الإضّطهاد».

كانت أُمنيتي – في الصغر – أن أُقابل الرئيس عبدالناصر، وكُل ما إستطعت أن أُحقّقه.. أنّني رأيته عن بُعد، عندما ألقى خِطابًا في الإسكندريّة.. بمُناسبة ذكرى (ثورة تمّوز). فعندما كنت طِفْلًا في السّنة الثّانية يالمرحلة الابتدائيّة في مدرستي بقطاع غزة، قطعت ورقة من كُرّاستي اليتيمة، وكتبت فيها أربع كلمات «جمال عبدالناصر أنا أُحبّك»، ووضعتها في مُغلّفٍ بنّي، وكتبت العُنوان «جمال عبدالناصر ـ القاهرة». و استجديت والدي أن يُعطيني نِصف قِرش (تعريفة).. لشِراء الطّابع، ووضعت الرّسالة في صندوق البريد.

بعد أسابيع، جاء النّاظر – بخيزرانته الطّويلة، مع عَددٍ من المُدرّسين – إلى فصلي.. باحثًا عنّي، و كُنت نحيفًا هزيلًا.. أُعاني من فقر دم مُزمن، نتيجة لللفقر و الجُوع و الحِرمان، فكِدت أن أنهار من الخوف، لأن النّاظر كانت لُغته في المُخاطبة دائمًا.. هي الخيزرانة، سواءً كُنت مُصيبًا أو مُخطئًا، و كنت «زُبونًا دائمًا» في تحيّاته.. و المُدرّسين الآخرين، بسبب مُشاغباتي أو لتأخّري عن المدرسة، وقادني الناظر وسط وفد «العُصي» من المُدرّسين.. إلى غُرفته. و هُناك أبرز مظروفًا بُنِّيًّا «ضخمًا» مفتوحًا، و سألني: مُنذ متى تعرف جمال عبدالناصر؟ فأنكرت و أنا أرتجف أنّي أعرفه، و من أنا.. هذا الطّفل الحافي في مدرسة بمخيّم «دير البلح» للاجئين.. حتى أعرفه؟ لكنّ النّاظر ربّت على ظهري بيده – و ليس بالعصا – وقال إنّه فَخورٌ بي، وأعطاني الظّرف، و كان يتضمّن صورةً للرئيس عبدالناصر، و خِطاب منه.. يشكرني فيه، وبضعة كُتب منها «المِيثاق» و «فلسفة الثّورة».. على ما أذكُر، وأعتقد أنّ أهلي في «مُخيّم رفح».. ما زالوا يحتفظون بالرّسالة والكُتب، أو هذا ما أتمنّى.

أحببت عبدالناصر، لأنّه وقف مع كُل الثورات العربيّة، وشُعوبها المُستَعمرة، وفتح مِصر وجامعاتها ومُستشفياتها، وقُلوب أبنائها الطيّبين.. لإحتِضان العرب والأفارقة والآسيويين، ووضع مِصر في مصاف الدّول العُظمى (غير الغربية) في حينها – مِثل يوغسلافيا و الهند و روسيا و الصين – في الخندق المُواجِه للاستِعمار الغربي، و خاضت مِصر في عهده ثلاث حُروب.. في مُواجهة العُدوان الإسرائيلي-الغربي؛ حرب السّويس، وحرب عام 1967، وحرب الإستِنزاف. وكان الفضْل في إنتِصار حرب أكتوبر 1973.. يعود إليه، و تجهيزه الجيش المِصري لخوضها، والثّأر من «هزيمة حزيران».

ربّما يختلف معي كثيرون في هذا الرّأي، لأسبابٍ عقائديّة أو ثأريّة، وهذا من حقّهم، لكنّ هذا الإختِلاف لا يُمكن أن يُقلّل من حجم العديد من الحقائق والإنجازات والثّوابت عن هذا الرّجل العظيم؛ وأبرزها أنّه ماتَ فقيرًا، و لم يترك قُصورًا، ولا يختًا عِمْلاقًا، ولا أرصدة سريّة طافحة بالملايين – أو المِليارات – ولا حتّى منزلًا لعائلته، و كان عربيًّا مُسلِمًا.. عابرًا للتعصّب الطّائفي والدّيني، وجعل مِصر منارةً للحداثة والعزّة، والاستِقرار، وعُنوانًا للكرامة، وقِبْلةً لكُلّ الثوّار الشّرفاء.. في جميعِ أنحاء العالم.

دعاني معهد العالم العربي في باريس – عندما كان موضوعيًّا، ويُرَحِّب بكُلّ الآراء، وليس أسير المال – للمُشاركة في ندوةٍ بمُناسبة مُرور 25 عامًا على وفاة الرئيس عبدالناصر، وكان من بين المُتحدّثين وزيرا خارجيّة وداخليّة فرنسا، ووزيراً واحِداً من مِصر، وكُنت أصغر المُتحدّثين سِنًّا و مكانةً، وقالوا في كلماتهم.. الكثير من الأطناب عن الرّاحل و إنجازاته، و لم يتركوا لي شيئًا أقوله، و كُنت آخِر المُتحدّثين، فقُلت – في كلمةٍ مُوجَزة – «لولا جمال عبدالناصر ما كُنْتُ هُنا، أنا اللّاجئ ابن المُخيّم، أقف بينكم».

مِصر اليوم تُواجِه «موسوعةً» من الأزمات، لأنّها – على مدى 52 عامًا – بعد وفاته إنحرفت عن هُويّتها، و دورها القِيادي الرّائد، و وقّعت «إتّفاقات كامب ديفيد».. إعتِقادًا من خليفته أنور السّادات، أنّ هذا السّلام مع العدوّ.. سيُحوّلها إلى جنّات عدن؛ فجاءت النتائج عكسيّةً تمامًا – وكانَ وما زال – هذا حال جميع الحُكومات العربيّة.. التي سارت على النّهج نفسه، قديمة التّطبيع أو جديدة.

رُغم حُروب الرئيس عبدالناصر، ودعمه للثّورات العربيّة، كان الإقتصاد المِصري قويًّا، والدّين المِصري الخارجي شِبه معدوم، ويتعلّق بصفقات الأسلحة فقط، ولم تتسوّل مِصر دولارًا واحدًا من أشقّائها، وصانت كرامة المِصري في جميع أنحاء العالم. 

عِشت في مِصر عامًا واحدًا.. في عهد عبدالناصر (1970)، وكُنت هُناك من بين المُشيّعين له الباكِين عليه، وأشهد أن مِصر كانت أبيّةً غنيّة؛ تأكُل وتلبَس ممّا تُنتج، و تصنع كُل شيء.. من السيّارة حتّى معجون الأسنان، والجمعيّات التعاونيّة كانت عامرةً بالسِّلَع الرّخيصة المدعومة من الدّولة، وبعد أقل من عام.. تغيّر كُل شيء، وبدأت عمليّات التّجويع المدروسة للشّعب المِصري، لتأييسه و تكريهه للعرب، ودفعه نحو التّطبيع، و«إتّفاقات كامب ديفيد.

خُروج مِصر من كُل أزماتها لا يتم بـ القُروض الخارجيّة، عربيّة أو من صندوق النقد الدولي، و إنّما بـ إستِعادة دورها الرّيادي، و الإعتِماد على شعبها الخلّاق المُبدع، و مُكافحة الفساد بكُلّ أشكاله، و الخُروج من «إتّفاقات كامب ديفيد» والحِلف الأمريكي، حتى إعادة تحالفها القويّ مع الزّعامة الصاعدة في العالم اليوم.. الروسيّة والصينيّة، مع إدارة علاقاتها مع الحِلف الأمريكي الغربي المهزوم في أوكرانيا، ولعلّ تنبّؤات كيسنجر و بلير – في هذا الشّأن – خَيْرُ دليل.

لو عاد التّاريخ إلى الوراء، لكَتَبْتُ الرّسالة نفسها إلى الرئيس جمال عبدالناصر، و أضفت إليها كلمةً واحدة «الرئيس جمال عبدالناصر.. أنا أحبّك أكثر».

نقلا عن «فيس بوك».

* رئيس تحري موقع «رأي اليوم»  ورئيس تحرير صحيفة «القدس العربي» السابق.

شارك هذه المقالة