تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

خطاب كاشف

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

كنت قد انتويت أن أكتب عن آخر التطورات.. في طريقة إدارة الرئيس ترامب لصراعه مع إيران، وغرقت بالفعل في لجة تصريحاته.. التي لا تتوقف، وتحمل أحياناً معاني متضاربة أو غامضة، أو لا تأتي بأي جديد، إلى أن جاءني المدد من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويُحسب للرجل.. أنه كان صريحاً في التعبير عن آرائه وتوجهاته.. التي أعرض لها في أربع نقاط عن الحرب مع إيران، والوضع في غزة، وحال القانون الدولي، والجدل حول الذكاء الاصطناعي.

أما عن الحرب مع إيران؛ فقد أكد أنها مصدر مزمن لعدم الاستقرار، وهذا مقبول.. بالنظر إلى أن للثورة الإيرانية مشروعها الإقليمي منذ نجاحها في 1979. لكن التصريح يعطي الانطباع.. وكأن إيران هي المصدر الوحيد لعدم الاستقرار في المنطقة، بينما لا يوجد أدنى شك.. في تعدد مصادر عدم الاستقرار، التي تتواضع إلى جوارها السياسات الإيرانية. 

… وتكفي الإشارة إلى السياسات الإسرائيلية.. في فلسطين ولبنان وسوريا على الأقل. والأهم – ما دمنا نتحدث عن رئيس أمريكي – الدور الأمريكي ذاته.. في زعزعة الاستقرار في المنطقة؛ ومنها الغزو الأمريكي للعراق 2003، وتداعياته – لا على العراق فحسب، ولكن – على المنطقة كلها.. خير شاهد على ذلك. بل إن الوضع الراهن ذاته، يقدم شهادة إضافية لها اعتبارها؛ فلو كان البرنامج النووي الإيراني حقاً.. هو السبب فيما وصلنا إليه، فليس بمقدورنا أن ننسى أن القوى الكبرى.. قد توصلت مع إيران – في 2015 – إلى اتفاق، كان ترامب هو الذي أجهضه بانسحابه منه 2018.. بتحريض إسرائيلي. 

والغريب، أنه إذا كان ترامب – في خطابه – أكد ما صرح به مئات المرات.. من أن الجيش الأمريكي قد دمر البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وأن قوة إيران البحرية والجوية ودفاعها الجوي قد دمرت.. أو تضررت بشدة، وأن قدرتها على تصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة.. «شبه انتهت». فلِمَ استمرار التهديد، والعمليات العسكرية، والحصار الاقتصادي غير المسبوق؟ خاصة.. وأن هناك دولة نووية في المنطقة، تقتل وتدمر وتعربد خارج حدودها.. دون حساب. كما أنه تفاخر ترامب بأن البحرية الأمريكية قد رافقت أكثر من مليار برميل نفط.. عبر مضيق هرمز – لكي يدحض الفكرة الإيرانية الخاصة بالسيطرة على المضيق – بينما لا يملك الكثيرون وسيلة مؤكدة للتحقق من صحة الأرقام التي يذكرها. لكن المرء لا يمكنه أن يتجاهل استمرار ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية؛ وهو الارتفاع الذي يقول ترامب إنه سينتهي بانتهاء الحرب، وهذا بديهي.. لكن المهم كيف تنتهي؟ 

وهنا، واصل ترامب – في خطابه – تصريحاته الغامضة المتناقضة؛ فقد استمر في الحديث عن أحد سيناريوهين؛ إما الاتفاق. وإما الجحيم. وهو حديث يتكرر منذ شهور.. دون جدوى، وواصل تأكيده أن الحرب ستنتهي قريباً! (وهو ما يتعارض مع سيناريو الجحيم!) وتحديداً.. حول فترة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس! دون أن يشرح الارتباط بين الأمرين. وكانت هذه الفكرة (انتهاء الحرب فوراً بعد انتخابات التجديد النصفي، أو في وقت قريب جداً) قد ألت عليه 4 مرات على الأقل.. بما فيها خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبالنسبة للوضع في غزة، تحدث ترامب بفخرٍ.. عن خطته المتعلقة بها، وعبَّر عن امتنانه لمجلس الأمن؛ لتأييده الخطة بالإجماع، والموافقة على تأسيس مجلس السلام.. الذي انضمت إليه نحو 30 دولة. وشكر الدول الأعضاء.. على تقديم مليارات الدولارات للإغاثة. لكنه لم يُشِر بحرف.. إلى أن خطته باتت هي والعدم سواء؛ إذ تواصل إسرائيل تفعيل مفهومها لوقف إطلاق النار.. الذي يعني أنه لا ينطبق إلا على خصوم إسرائيل. فهي ما زالت تقتل وتدمر، وتغتال قيادات المقاومة كما تشاء، وتعرقل تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وتمنع دخول المساعدات الإغاثية.. بالمعدلات المتفق عليها. وتمنع كذلك دخول المعدات الثقيلة.. الضرورية لأشياء كثيرة؛ على رأسها أعمال الإغاثة. وترفض دخول اللجنة الفلسطينية – التي كان يفترض أن تتسلم الحكم من «حماس» – وترفض البدء في أي عمليات إعادة إعمار، إلا عندما يستجاب لشروطها بالكامل. 

… والهدف واضح، وهو تهيئة الظروف لتنفيذ مشروع التهجير.

 كذلك، يلاحظ أن ترامب لم يشر بحرف لجرائم المستوطنين، التي تجري في الضفة.. بحماية كاملة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

لقد كان خطاب ترامب كاشفاً.. من حيث دلالته عن نظرة للقانون الدولي، والعدالة الدولية؛ فقد تحدث – ببساطة شديدة – عما فعله في فنزويلا.. مؤكداً أن رئيسها المنتخب (الأسير في نيويورك) ديكتاتور؛ خارج عن القانون، ومجرم حقيقي.. واضعاً نفسه في موقع المسؤول عن العدالة الدولية؛ فهو يمثل سلطة الادعاء، وسلطة القضاء، والمناط به التنفيذ. أما بشأن القضاء الدولي، فقد شن حملة ضارية على المحكمة الجنائية الدولية، ووصفها بأنها «مؤسسة خارجة عن السيطرة»، و«مارقة»، ومعادية للولايات المتحدة. ووجه دعوة علنية لجميع أعضائها.. لمغادرتها فوراً، بل لقد حث قضاتها على الاستقالة.

وأخيراً، أ..دلى ترامب بدلوه في قضية الساعة – وهي «حوكمة الذكاء الاصطناعي» – فواصل ولعه بتغيير المسميات مقترحاً تسميته بـ «الذكاء الفائق»؛ لأن المسمى الحالي يوحي بالزيف! وهاجم – بشدة – الدعوات الدولية.. لضبطه عن طريق حوكمة دولية، واصفاً إياها.. بأنها «مخطط عالمي» للسيطرة على التكنولوجيا، ومؤكداً الرفض التام لهذه الدعوات، لأنها تخنق قطاعاً.. سيكون «أكبر من الثورة الصناعية والإنترنت»، وقلل من مخاطره، واعتبر الحديث عنها شبيهاً – في مبالغاته – بالحديث عن مخاطر تغير المناخ. وبواقعية مفرطة، وضع المسألة في سياق.. الصراع من أجل القوة في الساحة الدولية؛ فقد قال صراحة.. إن ما سماه بـ «الذكاء الفائق»، ليس مشروعاً إنسانياً مشتركاً، بل هو سباق تسلح استراتيجي واقتصادي. ويحمد له صدقه وصراحته في هذا السياق، وهو ما ينذر بأن تجسد مخاطر الذكاء الاصطناعي.. لم يعد سوى مسألة وقت.

هكذا، كان خطاب ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وثيقة كاشفة.. للطريقة التي يفكر بها رئيس أقوى دولة في العالم.. في أخطر قضاياه. 

… فعلى كل من يعنيه الأمر، أن يتحسب لها.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة