سليم سلمان الوالي
يمر اليمن بمرحلة شديدة الحساسية.. بعد سنوات من حالة اللا حرب واللا سلم؛ فالتوتر العسكري يتصاعد، والتهديدات المتبادلة تتوسع، فيما لا تزال البلاد منقسمة.. بين سلطات وقوى عسكرية متعددة، لكل منها حساباتها وتحالفاتها، وأهدافها الخاصة.
ورغم الحديث المتكرر عن قرب الحسم، أو تغير موازين القوى.. فإن الواقع الميداني لا يزال يعكس غياب الطرف القادر على إنهاء الحرب بصورة نهائية؛ فالحوثيون ما زالوا يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، ويحتفظون بقدرات عسكرية.. تسمح لهم بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، وتهديد الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية.
في المقابل، تبدو الحكومة اليمنية (المعترف بها دوليا) في موقف أضعف مما توحي به تصريحاتها الرسمية. فهي تعاني من الانقسام داخل معسكرها، ومن تعدد التشكيلات العسكرية، واختلاف ولاءاتها، إلى جانب تراجع الخدمات والأوضاع الاقتصادية.. في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن للحكومة أن تتحدث عن استعادة الدولة، بينما تعجز عن توحيد القرار السياسي والعسكري داخل مناطقها؟
كما يطرح الوضع سؤالا آخر: هل تمتلك الحكومة فعلا.. خطة واضحة لمواجهة الحوثيين، أم أنها تعتمد بصورة أساسية على مواقف ودعم الدول الإقليمية؟
إن ضعف الحكومة لا يعود فقط إلى نقص السلاح أو الإمكانات، بل يرتبط أيضا بغياب المشروع السياسي الموحد. فهناك قوى.. تضع مواجهة الحوثيين في مقدمة أولوياتها، بينما تركز قوى أخرى ..على قضية الجنوب، أو النفوذ المحلي أو المصالح الخاصة. وهذا التباين يجعل أي تحرك عسكري واسع.. عرضة للتعثر.. حتى قبل أن يبدأ.
ومن الأسئلة التي يفرضها الواقع أيضا؛ من يملك القرار الحقيقي داخل معسكر الحكومة؟ وهل تستطيع القيادة الشرعية.. توجيه جميع القوات التابعة لها؟ أم أن بعض التشكيلات تتلقى قراراتها ودعمها من جهات خارج مؤسسات الدولة؟
وفي الجهة المقابلة، يستفيد الحوثيون من هذا الانقسام، ويقدمون أنفسهم كقوة أكثر تماسكا وتنظيما.. رغم ما يواجهونه من أزمات اقتصادية وضغوط داخلية وخارجية. كما يستخدمون التصعيد الإقليمي وملف البحر الأحمر.. لتوسيع حضورهم السياسي والعسكري، وإظهار أنفسهم كطرف لا يمكن تجاوزه.. في أي تسوية قادمة.
لكن ذلك يطرح سؤالا مهما: هل يسعى الحوثيون فعلا إلى تسوية سياسية؟ أم أنهم يستخدمون المفاوضات والتهدئة.. لتثبيت سلطتهم والاستعداد لجولات جديدة من الحرب؟
أما على المستوى الإقليمي، فإن السعودية تبدو حريصة على عدم العودة إلى حرب مفتوحة وطويلة، لكنها – في الوقت نفسه – لا تستطيع تجاهل أي تهديد مباشر لأراضيها أو منشآتها النفطية أو موانئها. ولذلك يبقى موقفها محكوما بمعادلة صعبة.. بين الردع، وتجنب التورط من جديد.
كما أن أي تصعيد في البحر الأحمر، قد يدفع الولايات المتحدة ودولا أخرى إلى تدخل عسكري أوسع، ليس من أجل حسم الحرب داخل اليمن، بل لحماية الملاحة الدولية، ومنع تهديد طرق التجارة وإمدادات الطاقة.
وهنا يظهر سؤال جديد: هل يمكن أن تتحول الحرب في اليمن.. من صراع داخلي، إلى جزء دائم من مواجهة إقليمية أوسع؟
الاحتمال الأكثر ترجيحا، هو استمرار التصعيد المحدود.. من خلال هجمات متقطعة، وردود عسكرية محسوبة، مع بقاء قنوات الوساطة مفتوحة. أما الحرب الشاملة، فهي محتملة.. إذا وقع هجوم كبير، أدى إلى خسائر بشرية واسعة، أو أصاب منشأة حساسة.
لكن حتى في حال اندلاع مواجهة واسعة، لا يبدو أن الحسم سيكون سهلا؛ فالتجارب السابقة أثبتت أن الضربات الجوية وحدها.. لا تكفي لإنهاء سيطرة الحوثيين، كما أن فتح جبهات برية واسعة.. يحتاج إلى قيادة موحدة، وقوات منضبطة، وخطة سياسية واضحة، وهي عناصر لا تزال ناقصة في معسكر الحكومة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة اليمنية معالجة ضعفها الداخلي، قبل أن تطالب بتغيير ميزان القوى على الأرض؟
والإجابة.. أن غياب القدرة على توحيد المؤسسات العسكرية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، واستعادة ثقة المواطنين، يجعل الحكومة في موقع رد الفعل، بينما يواصل الحوثيون استغلال الانقسامات والفراغ السياسي.
إن مستقبل الحرب في اليمن.. لا يتوقف – فقط – على حجم السلاح أو عدد الضربات، بل على قدرة كل طرف على تقديم مشروع سياسي قابل للحياة.
وفي ظل استمرار الانقسام، وضعف الحكومة، وغياب التسوية الشاملة.. يبدو أن اليمن يتجه إلى مزيد من التوتر، مع بقاء احتمال الانفجار الكبير قائما في أي لحظة.