Times of Egypt

التفاوض على التفاوض.. أين المعضلة؟

M.Adam
عبدالله السناوي 

عبدالله السناوي

على الحافة تماماً، جميع السيناريوهات محتملة وواردة.. في الاتصالات والرسائل المتبادلة – المعلنة وغير المعلنة – بين الولايات المتحدة وإيران.

قد يمكن التوصل إلى تسوية سياسية ما بين لحظة وأخرى، أو أن تنفجر الحرب مجدداً.. بصورة أكثر عنفاً وتدميراً بالمنطقة كلها.

ما بين الانفراج والانفجار.. تكمن معضلة التفاوض على التفاوض.

لا يود الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» العودة إلى الحرب مجدداً، لكنه لا يتوقف عن التلويح بها، كأنها واقعة لا محالة.

استهلكت الحرب شعبيته داخل الولايات المتحدة، وأثبتت وقائعها الدموية.. أنها ليست «نزهة سريعة»، حاسمة ومضمونة.. على ما أقنعه حليفه الوثيق رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو».

بالوقت نفسه، فهو غير مستعد أن يُنهي الحرب.. دون اتفاق ينطوي على تنازلات ما إيرانية، يسوغها بأن الرئيسين الديمقراطيين السابقين «باراك أوباما» و«جو بايدن».. لم يستطيعا التوصل إليها.

بمعنى آخر، فهو يطلب اتفاقاً أفضل من اتفاق (2015)، الذي عقده «أوباما» ودعمه «بايدن».

عندما ألغاه بعد صعوده للرئاسة.. ادَّعى أنه «سيئ»، ويُفضي في نهاية المطاف إلى امتلاك إيران سلاحاً نووياً.

هو الآن أمام اختبار صعب؛ أيهما أفضل.. ما تم التوصل إليه بالتفاوض أثناء إدارة «أوباما»، أم ما سوف يتوصل إليه هو بالمفاوضات المزمعة؟!

الخيارات أمامه ملغمة. العودة إلى الحرب قد تكلف الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسَي الكونجرس.. بالانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، وتفتح المجال واسعاً لسيناريو عزله من منصبه.

هذا سيناريو كابوسي.

السيناريو – الكابوسي – الآخر، أن يُضطر لتوقيع اتفاق يكرس إيران.. كقوة دولية ذات شأن.

على الحافة تماماً، قد يجد نفسه مضطراً – رغم كلفة الحرب الباهظة – أن يخوض جولة جديدة من التخريب والتقتيل.. دون أمل كبير في كسبها

إنها الهزيمة الاستراتيجية في نهاية المطاف.

على الجانب الإيراني، تتبدَّى معضلة من نوع آخر.

إذا وافقت – بداعي إنهاكها الاقتصادي والعسكري – على تقديم تنازلات جوهرية.. في ملفي التخصيب النووي ومضيق هرمز، فإن شرعية النظام سوف تتعرَّض لاهتزازات.. قد لا يمكن تحمُّلها.

… أي تنازل جوهري في ملف التخصيب، يهز بعمق الثقة العامة بسياسات النظام وخياراته الاستراتيجية.

ما معنى التضحيات الهائلة، التي بُذلت على مدى عقود، من أجل اكتساب الحق الكامل في تخصيب اليورانيوم للاستخدامات السلمية، إذا ما سلَّمت ما لديها من مخزون، أو قبلت بنقله إلى دولة أخرى؟

إحدى الأفكار المتداولة: نقل نصف اليورانيوم المخصَّب إلى روسيا، والإبقاء على النصف الآخر داخل إيران.

حسب التعبير الإيراني الشائع – في التفاوض على التفاوض – كيف يمكن لـ«الخاسر» أن يحصد بالمفاوضات، ما لم يقدر عليه بالسلاح؟

ينظر كل طرف إلى نفسه.. باعتباره منتصراً.

هذا الاعتقاد يدعو – بذاته – إلى التشدد، ويضع قيوداً على مفاوضيه.. يصعب الفكاك منها.

الطرفان لا يريدان – قطعاً – خوض جولة جديدة من الحرب، لكنهما غير مستعدين أبداً.. لوقفها بأي ثمن.

هنا – بالظبط – معضلة التفاوض على التفاوض.

الإيرانيون.. يقولون إن الأمريكيين طلباتهم «مبالغ فيها».

إذا لم تكن حققت أهدافك بالسلاح، فإن المبالغة في المطالب غير منطقية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمريكيين يبدون مكبلين بالقيود الإسرائيلية.

إسرائيل طرف غير مباشر.. في مفاوضات العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

هذه عقدة يصعب تجاوزها بأي اتفاق.

تراجعت أهداف الحرب.. من تقويض النظام، وإنهاء المشروعين النووي والباليستي، إلى مسألتين محددتين؛ تخصيب اليورانيوم، وإعادة فتح مضيق هرمز.

كان ذلك إخفاقاً عسكرياً وسياسياً مزدوجاً.. للقوة الأمريكية.

في المساحة الملغمة بين خيارَي الحرب والتسوية، لجأ «ترامب» إلى تمديد الهدن المؤقتة والهشة.. مرة بعد أخرى، وفرض حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

هكذا أُحكم الحصار – من الناحيتين الأمريكية والإيرانية – على مضيق هرمز، واستحكمت أزمة النفط بالعالم كله.

إذا ما أخفق التفاوض على التفاوض.. في تلبية الحد الأدنى من مطالب الجانبين، فهل نحن أمام جولة ثانية محتَّمة.. من حرب لم يعد يريدها أحد سوى إسرائيل؟

الفكرة الرئيسية عند الإيرانيين.. لحلحلة التفاوض المتعثر: أن تُنهي الولايات المتحدة حصارها على موانئها، وأن تلتزم بمقتضيات الهدنة المعلنة.

فيما الفكرة الرئيسية عند «ترامب»: التفاوض تحت النار.

تعددت حججه وذرائعه.. لتجنب العودة إلى الحرب، كانت آخرها مزاعم إتاحة الفرصة أمام الإيرانيين، أن يحسموا صراعاتهم الداخلية.. بين الراديكاليين والمعتدلين، قبل أن يعود – في نفس العبارة – ليصف المعتدلين بأنهم غير معتدلين!

لا يكف عن إطلاق التصريحات المتناقضة، حتى وصل الأمر برئيسة مجلس النواب السابقة «نانسي بيلوسي».. إلى المطالبة بإخضاعه للعلاج النفسي!

الفكرة نفسها.. يتردَّد صدىها في الصحف والمواقع الإخبارية باتساع العالم.

أمام انزعاج دولي وإنساني واسع.. من تهديداته المتكررة، بإعادة إيران إلى العصر الحجري، ونسف حضارتها، نفى أن يكون بصدد استخدام سلاح نووي تكتيكي. لكن وزير الدفاع الإسرائيلي «يسرائيل كاتس» استخدم نفس العبارة.. بكل حمولاتها الهمجية.

«إننا ننتظر ضوءاً أخضراً أمريكياً، لإبادة سلالة خامنئي» ــ هكذا بالحرف.

بقفزة أخرى في الهواء – لكنها فادحة وخطرة – دعا «ترامب».. إلى لقاء – في المكتب البيضاوي – بين «نتنياهو» والرئيس اللبناني «جوزيف عون».

إذا ما جرى مثل هذا اللقاء، فإن لبنان مهدَّد بانفجارات داخلية.. تشبه الحرب الأهلية، التي أهلكته بين عامَي (1975- 1990).

بادعاء لا أساس له، قال «ترامب»: إن الأزمة اللبنانية أسهل نسبياً من غيرها.

تحدَّث عن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لثلاثة أسابيع، حتى (17) مايو.

لم يكن ذلك محض مصادفة، فهو نفسه تاريخ معاهدة السلام اللبنانية-الإسرائيلية، التي أقرَّها مجلس النواب اللبناني تحت حصار الدبابات (1983)، وأُلغيت بإرادة وطنية شبه جماعية العام التالي.

قال حرفياً: «سنساعد لبنان في التخلص من حزب الله».. مؤكداً بنفس اللحظة «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».

إنه تصريح بالقتل والاغتيال، واستباحة لبنان كاملاً.. باسم السلام.

من غير المستبعد أمريكياً – فيما مفاوضوها بإسلام آباد – العودة إلى الحرب مجدداً.

«نحن جاهزون ومستعدون».. بنص بيان للقيادة المركزية الأمريكية.

إنها استراتيجية «الرجل المجنون»، كما بات يطلق على سياساته.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة