تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

خطوط حمراء

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

تشغلنا أحداث الشرق الأوسط.. وخطورتها على الأمن الوطني المصري أحياناً، عن متابعة بعض التطورات الداخلية المهمة. ولكن إذا وصل الأمر بتطور داخلي ما.. إلى أن يمثل تهديداً محتملاً لهذا الأمن، فساعتها يجب أن يكتسب أولوية في الاهتمام والمتابعة. 

ومنذ الطفرة التي حدثت في وسائل التواصل الاجتماعي، لوحظ ظهور – من حين لآخر – أوضاع تمس أمن المجتمع والوطن.. لو تُرِك الحوار حولها دون ضابط، لأمكن لها أن تهدد هذا الأمن.. لا قدر الله. والمشكلة، أن وسائل التواصل الاجتماعي.. هي مجرد وعاء، يملؤه كل من تمكن منه.. بما يشاء؛ بغض النظر عن علمه وخبرته. ناهيك بأن يكون مأجوراً.. لتحقيق هدف معين. وتساعد الثورة الاتصالية، على انتشار ما تمتلئ به هذه الوسائل.. دونما اعتبار لصحته أو دقته أو نزاهته. ويساعد انخفاض الوعي، أو عدم التصدي الصحيح.. على تصديق أكاذيب، أو الاقتناع بصحة تحليلات.. ما أنزل الله بها من سلطان! 

وقد كدت – قبل أسبوعين – أن أكتب عن واقعة مُسَيَّرة دمياط، وكيف تناولها البعض في تلك الوسائل.. تناولاً يفتقد أدنى درجات العلمية، على نحو قد يسبب أضراراً في كل الاتجاهات؛ ومنها التشكيك في قدرة مصر الدفاعية، والإضرار بعلاقات مصر الخارجية. غير أن أقلاماً موضوعية تكفلت بالأمر. 

وفي الأيام الأخيرة، ثارت قضية أخرى في تلك الوسائل.. تتعلق بجدال حول مسألة شديدة الجزئية؛ وهي شدة صوت رفع الأذان. وأقول شديدة الجزئية.. لأن رسالة الإسلام انتصرت في وجه تحديات عاتية، والدولة الإسلامية بنت أمجاداً عظيمة.. بغير مكبرات للصوت أصلاً. 

لكن المشكلة، أن أحد الأصوات الحمقاء الجاهلة.. أخذته الحماسة، فوقع – جاهلاً أو متعمداً – في شَرَك التعريض بالديانة المسيحية؛ التي ينتمي إليها مكون أصيل من الشعب المصري. وهذا ما يجب أن يعلم الجميع.. على نحو قاطع، أنه خط أحمر بالنسبة للأمن الوطني المصري. بل إنه خط أحمر ديني.. قبل أن يكون وطنياً؛ لأن الديانة الإسلامية السمحة.. تحترم الديانة المسيحية، وحرية الإيمان (لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي)، ورموزها.. كالسيد المسيح، والسيدة مريم.. واردة في القرآن الكريم، بكل إجلال وتقدير.

أما الخط الأحمر الوطني، فلأن عامل القوة الأول لهذا الوطن.. هو وحدة شعبه – التي حبانا الله بها عبر التاريخ – ومن يخالجه أدنى شك في هذا الحكم، عليه أن يُلْقي بنظرة سريعة.. إلى البلدان من حولنا، ليرى كيف أن غياب الوحدة الوطنية.. يهدد بقاء الدولة، أو يُضعفها في أقل الأحوال. ووحدة الشعب المصري ثابتة.. من حقائق راسخة، دون أن ننكر وجود الاستثناءات. لكنها استثناءات تثبت القاعدة.. ولا تلغيها، وتطور مصر السياسي الحديث.. خير شاهد على عظمة الوحدة الوطنية المصرية؛ كما تشهد بذلك ثورة 1919، واعتراف الآخرين بها – بما في ذلك المحتل البريطاني الذي كتب اللورد كرومر (الحاكم الفعلي لمصر 1883-1907) في كتابه «مصر الحديثة» – «إن الفارق الوحيد بين القبطي والمسلم؛ يتمثل في أن القبطي مصري يتعبد في كنيسة، في حين أن المسلم مصري يتعبد في مسجد». 

وعطاء أقباط مصر لوطنهم بلا حدود، كما تشهد بذلك أسماء لامعة في الحياة السياسية والفكرية والثقافية والعلمية؛ وليست أسماء مثل بطرس بطرس غالي، وأنور عبدالملك، وميلاد حنا، ومجدي يعقوب، ويونان لبيب رزق، ومنير فخري عبدالنور.. سوى عينة قليلة لأقباط مصريين، أعطوا لوطنهم بغير حدود. 

بل إن البعد الذي قد لا يحظى بالتركيز الكافي، هو دور أقباط مصر في العسكرية المصرية، ولعل شبابنا اليوم.. لا يعرفون الأداء المذهل لقائم مقام رؤوف محفوظ زكي – قائد موقع شرم الشيخ، إبان العدوان الثلاثي 1956 – الذي استأذن القيادة في الاستمرار في القتال.. رغم صدور القرار بالانسحاب؛ لأن تقديره كان أن خسائر الصمود، ستكون أقل من خسائر الانسحاب. فأذنت له القيادة، وقاتل – هو وجنوده – قتالاً مذهلاً.. شهدت به المراجع العسكرية العالمية. ولم يستسلم إلا في الساعة 9.30 صباح 5 نوفمبر (اليوم السابق على وقف إطلاق النار).. بعد أن نفدت ذخيرته تماماً. 

وتكتمل الصورة المجيدة لهذا المصري الأصيل.. بوقائع الاستسلام، حين تقدم أحد الجنود الإسرائيليين.. لينتزع صورة عبدالناصر المعلقة خلف مكتبه، فواجهه بشراسة.. ورفض رفضاً قاطعاً المساس بالصورة. مصراً على احترام رمز دولته.. حتى وهو أسير، مما أجبر القوة الإسرائيلية على التراجع. وتزداد الصورة مجداً.. بموقف البكباشي حنا بخيت – رئيس شؤون إدارة الموقع – الذي كان يجيب مستجوبيه بتهكم وسخرية. وعندما سأله أحدهم: «ألا تخاف؟» أجابه: «من مين؟».

وتكتمل الملحمة في حرب أكتوبر المجيدة.. باللواء مهندس باقي زكي يوسف، صاحب الفكرة العبقرية.. لفتح الثغرات في الجدار الترابي الإسرائيلي على حافة القناة، التي استمدها من خبرته في بناء السد العالي. وباستشهاد اللواء شفيق متري سدراك – قائد اللواء 3 مشاة ميكانيكي بالفرقة 16 – ثاني أيام الحرب. وإصابة اللواء فكري بباوي إصابة بالغة في أثنائها، وقيادة اللواء فؤاد عزيز غالي للفرقة 18 مشاة؛ التي حررت القنطرة شرق، وواصلت انتصاراتها.. حتى تُوج أداؤه بتعيينه قائداً للجيش الثاني .. في ديسمبر 1973. 

وبعد كل هذا، يتجرأ جاهل أو أحمق أو مأجور.. على محاولة المساس بأمن مصر، ووحدة شعبها. 

ولا جدال في ضرورة إخراس هذه الأصوات، لكن إخراسها.. لا يكون بالمنع أو بإجراءات أمنية، وإنما بالتصدي العلمي الواعي – وما أسهله – لهذه الأفكار الهشة.. التي لا تستند لأي أساس. وهو واجب وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية. وأعلم أن هيئة الاستعلامات تقوم بدور مهم في مجال الرأي العام المصري، وأتمنى على رئيسها القدير السفير علاء يوسف.. أن يُخَصِّص وحدة لمتابعة القضايا ذات الصلة بأمن مصر – بكل أبعاده – في وسائل التواصل الاجتماعي، والتصدي بالرد العلمي على أي مغالطة، ونشر الرد على أوسع نطاق. 

… ستبقى مصر آمنة، ويبقى شعبها محافظاً على وحدته.. إلى يوم الدين.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة