تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

حابي.. الإله والنهر والمجلة!

M.Adam
زاهي حواس

 زاهي حواس 

حابي – هو اسم إله النيل عند أجدادنا المصريين القدماء – واهب الخير والخضرة والنماء والحب والدفء؛ باعتبار أن مصر.. هي «هبة حابي»؛ يعني «هبة النيل».. كما قال هيرودوت قبل نحو خمسة وعشرين قرناً من الزمان. أما مجلة «حابي»، فكانت بدايتها حلماً طاف بالخيال.. زماناً ليس بالقصير! 

قبل أكثر من ربع قرن من الزمان، سافرت مع الصديق المرحوم عزت السعدني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بصحبة الأثري العظيم الراحل الدكتور جمال مختار – رئيس هيئة الآثار الأسبق – لحضور افتتاح أحد المعارض الأثرية في مدينة ممفيس.. موطن المغني الأمريكي الشهير إلفيس بريسلي.

هناك شاهدنا جنون الأمريكيين بحضارة الفراعنة العظام. وفي جلسة ود وصفا، اقترح علينا الصديق العزيز عبد الرؤوف الريدي – سفير مصر في أمريكا وقتها – أن نقدم للأمريكيين وللغرب – وللدنيا كلها – مجلة تتحدث عن الحضارة المصرية.. بوصفها أعظم حضارة ظهرت على وجه الأرض، وبوصفها أول من علمت الدنيا معنى الحضارة، ولكي يعرف العالم أن الإنسان المصري.. هو أول من كتب، وقرأ، وأول من زرع، وأول من بنى، وأول من شهد للخالق بالوحدانية.

والغريب يومها، أن السفير عبد الرؤوف الريدي وجمال مختار.. اتفقا معاً على أمرين؛ الأول: أن أرعى أنا – بوصفي سفيراً للحضارة المصرية – هذا المولود الجديد – «مجلة حابي». والثاني: أن يرأس تحرير المجلة الصديق (ورفيق الطريق) عزت السعدني.. الذي كان نجماً في عالم الصحافة، يصعد بسرعة الجواد الجامح.. درجات سلم المجد في بلاط صاحبة الجلالة. كان عزت السعدني هو عاشق النيل، ورفيق الهرم، وشاعر الحب والجمال والفضيلة.. في كتاباته وتحقيقاته على صفحات جريدة الأهرام.

يومها كانت «حابي».. مجرد فكرة ومضت، وحلماً لم يكتمل، ولكنني لم أنسها أبداً، وظلت تدور في رأسي وفي كياني كله.. طوال سنوات تخطت ربع القرن. حتى جاء يوم كنا نتناول فيه طعام الغداء في مطعم الأسماك الشهير بالقرب من الأهرامات.. خلال جلستنا الشهرية نحن أعضاء جماعة محبي الكاتب الكبير أنيس منصور. وكان على المائدة يومها: أنيس منصور، والكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة، والشاعر فاروق جويدة، والسفير عبد الرؤوف الريدي، والممثل القدير أسامة عباس، وخبير السياحة الصديق محمد شفيق، واللواء مهندس عصام عبد الهادي.. رئيس مجلس إدارة شركة الصوت والضوء في ذلك الوقت، وعزت السعدني وأنا. ودار الحديث كله يومها عن مجلة تضيء الدنيا.. بنور الحضارة المصرية، ودخلنا في دوامة الحيرة: بماذا نسميها؟

حتى أعلن كاتبنا الكبير أنيس منصور – بصوت الأستاذ والمعلم – سموها «حابي».. على اسم إله النيل عند الفراعنة. وصفقنا كلنا للاسم، ولصاحب الاسم. وللحق فقد اقترح يومها الصديق عزت السعدني أن يرأس كاتبنا الكبير أنيس منصور رئاسة تحريرها، ولكن كاتبنا الكبير اعتذر بأدب جم وقال: اعذروني، كفاني عشر مرات رئيساً للتحري..ر في معظم صحف ومجلات مصر، يكفيني أن أكتب فيها.

وللذين يعلمون – والذين لا يعلمون – فإنني وعزت السعدني رفيقا طريق، تماماً مثل تمثالي ممنون في البر الغربي في الأقصر، اللذين يحرسان أعظم كنوز مصر في وادي الملوك والملكات. لا نكاد نفترق طوال عشرة عمر.. تتجاوز أعوامها الخمسة والثلاثين عاماً.

وأنا أعترف هنا بحق وصدق ويقين.. أن كلاً منا جزء من الآخر، على الرغم من أن لقاءنا الأول بدأ بصدمة، وتراشق بالكلمات، وإهانة للذوق والمشاعر! 

… كنت يومها مجرد أثري صغير، في بداية حياته الوظيفية، وكنت يومها مساعداً للأثري الكبير أحمد الصاوي، وكنا نبحث في أحد التلال الأثرية في صحراء البحيرة. وجاء عزت السعدني، وكان يومها صحفياً شاباً.. مفرط الثقة في نفسه وفي قدراته، وكان يتحدث مع الأثري الكبير تحت ظلال خيمة الحفائر في عز الظهر، وعندما حاولت أن أتدخل في النقاش، أوقفني قائلاً: إنت اسمك إيه؟ قلت له: زاهي حواس. قال لي: يا عم زاهي ما تتكلمش إلا بعد ما نخلص! حاول أحمد الصاوي أن يدافع عني، ولكن عزت السعدني قال له: خلينا في موضوعنا. وأسررتها في نفسي، وأحسست بنفور شديد من عزت السعدني. وقبل أن يمضي إلى حال سبيله، قلت له: بكرة يا أستاذ عزت سوف تعرف قيمة الشاب.. اللي أنت رفضت مجرد يقول رأيه. وضحك عزت السعدني يومها، وقال لي: بكرة نشوف يا عم زاهي، وما « تاخدش » على كلامي.

وكما يقول المثل الشعبي: ما محبة إلا بعد عداوة. فقد أصبحنا صديقين في الحياة وفي العمل. وما زلت أذكر – وأنا أعمل مفتشاً للآثار، ثم مديراً لآثار الهرم – أن عزت السعدني كان يحبسني كل يوم في حجرته.. عندما كان رئيساً لقسم التحقيقات، لأكتب له المادة العلمية لسلسلة مقالاته الشهيرة: «قبل أن يضيع أغلى ما نملكه في الدنيا من كنوز أثرية.. في غمضة عين». أنا أكتب المادة العلمية كلها، وهو يصوغها بأسلوبه الصحفي المميز.. على مدى أسبوع كامل. وأذكر أن مجلس الشعب اجتمع أيامها، وناقش قضية آثار مصر.. قبل أن تضيع، وظللنا أسبوعاً كاملاً حديث الرأي العام والمجلس النيابي، الذي أرسل بعثة لتقصي الحقائق إلى الأقصر.. لتشاهد على الطبيعة حقيقة ما كتبناه على صفحات الأهرام.

ولقد ظللنا أنا وعزت السعدني نطوف مدن أمريكا كلها.. بصحبة أعز ما تملك مصر من كنوز وآثار، تركها لنا أجدادنا العظام.

عزت السعدني هو أعظم من كتب في الصحافة المصرية كلها.. عن حضارة مصر وتراث الأجداد، وأعظم من صوَّر بقلمه – وبكيانه كله – ملحمة الإنسان المصري القديم، الذي أضاء الدنيا نوراً وعلماً وإيماناً وجمالاً وخيراً وفضيلة. كان قلمه يسحر القلوب ويبهر العقول، وهو بحق.. أعظم من كتب عنواناً لمقال أو تحقيق أو كتاب. فهو ساحر العناوين دون منازع، وهو الذي وضع عنوان كتابي «جنون اسمه الفراعنة»، وهو صاحب عنوان هذا المقال: حابي.. الإله والنهر والمجلة.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة